فيلم Ma Rainey’s Black Bottom

” لا يفهم البيض شيئًا عن الـ بلوز.. يسمعونها تُعزف لكنهم لا يعرفون تاريخها … لا يعرفون أنها “طريقة الحياة” في التحدّث… المرء لا يُغنّي ليشعر بتحسّن.. بل يُغنّي لأن هذه طريقة فَهم الحياة..
تُساعد موسيقى “البلوز” المرء على النهوض من الفراش كل صباح، ينهض مٌدركًا أنه ليْس وحده، يوجد شيء آخر في العالم، شيء أضافته تلك الأغنية! حتمًا سيكون هذا العالم خاويًا من دون الـ “بلوز” .. لذا أحاول ملأ هذا الخواء بشيء ما.” – اقتباس من فيلم Ma Rainey’s Black Bottom.
حكاية ملكة البلوز “ما ريني” تلك السيدة القوية والمشهورة والتي تعاني في أواخر مسيرتها الفنية من منافسة الشابات الجديدات، لذا تقرر أن تقتحم الشمال بـ تسجل أقوى أغانيها هناك.
قد تبدو القصة عادية جدا وطبيعية، يوم جديد عام 1927 في استوديو تسجيل إسطوانات شهير، تستعد فرقة موسيقى “بلوز/ Blues” لتسجيل مجموعة من الأغنيات، فرقة من 4 رجال وامرأة، ولكنهم لم يكونوا مجرد أعضاء فرقة، حيث كانت ملامحهم وأجسادهم تحكي بمهارة الواقع المرير.. و المغنية لم تكن كأي امرأة أخرى ..
“ما – ريني” سيدة قوية، صارمة، صوتها عالي، نظرتها جريئة، تعبر عن نفسها ورغباتها بصراحة بدون الإعتذار عن حقها في ذلك، مبهرجة الملابس، تفاصيل جسدها لا تحكي عن الصورة النمطية لجمال المرأة، هي صاحبة الأمر والنهي، قادرة على إخضاع الرجل الأبيض بثباتها، تقدم نفسها كما تريد هي وليس كما يرغبون هم، هي الممول لفرقتها والمسئولة عن فتح بيوتهم، لا تتنازل عن نيل احترامها، رغم تلك البيئة العنصرية المُعادية كونها امرأة وذات بشرة سمراء.
رغم إننا لم نتعرف على تاريخ المغنية ” ما – ريني” طوال الفيلم، ولكن نعرف جيدًا ومتأكدين أن كل ما وصلت له، وكل تصرفاتها هي نتيجة صراع بالدم والدموع لتحصل على حقها، لكي تضع اسمها على خارطة الحياة التي يُمارَس فيها العنصرية داخل نفس الفئة التي تعاني عنصرية الرجل الأبيض.
ولكن الفيلم مازال سيأخذنا لأعمق من ذلك ..حيث ينقلنا لحكايات الأمريكان من أصل أفريقي، كيف عانى أصحاب البشرة الملوّنة من العنصرية والإضطهاد في جنوب أمريكا، وهذا لم يختلف كثيرا عندما هاجروا للشمال مع وعد بكرامة وحياة أفضل…
نشهد سيطرة الرجل الأبيض ووعودهم الكاذبة بالمساواة إذا أطاع السود أمرهم، ولكن الحقيقة التي نكتشفها طوال الوقت أن ظهور ذوي البشرة السمراء ستظل للحائط، لا يجدون سوى الجدران والحواجز في كل مرة يحاولون فيها الاستقلال بحياتهم وأن يكونوا هم أصحاب القرار.
الحوارات في الفيلم كانت تشبه تلك الجلسة العفوية بين زملاء العمل، الكلمات والمشاعر تُطرح بسلاسة، ولكنها تحمل العمق والحزن والألم والحيرة .. عن الإله، عن الظلم، عن الموسيقى، عن الحلم، عن الماضي المُظلم الذي نظنه رحل كلما كبرنا في العمر ولكنه مازال قابع ينتظر اللحظات المناسبة ليُعلن عن نفسه ويحرك الأحداث.
والـ “بلوز”، تلك الموسيقى العبقرية التي نجح أصحاب البشرة الملونة في صناعتها من الفتات المُلقى لهم، مُعبرين عن مشاعر الحزن والغضب من الظلم الذي يعيشونه يوميًا، ورغبتهم في كسر القيود والقفز للحرية بعدما نالوا فك عبوديتهم من الرجل الأبيض في القرن 19، ليصنعوا تاريخهم بأنفسهم عن طريق تلك النغمات، لأنهم عرفوا جيدًا أن الرجل الأبيض كاذب مخادع سيُخرجهم من التاريخ، التاريخ الذي لا يكتبه سوى المنتصرين حتى لو كان هذا الإنتصار على جثث الضحايا.
“لا يُمكنني احتمال الصمت.. يجب أن تُعزف موسيقى ما في ذهني… إنها تجعل الأمور متوازنة.. الموسيقى تفعل ذلك..إنها تملأ الفراغ. كلما زادت الموسيقى في العالم ..ازداد امتلاؤه.” – اقتباس من الفيلم.
.
لقراءة المقالة على صفحة سوبروومن بالفيسبوك:

Leave a Comment