جولة افتراضية في مسار النكبة الفلسطينية – الجولة الثالثة والأخيرة – لبنان – حكايات الركام

ها نحنُ في جولة أخرى في مسار النكبة… النكبة المُستمرة على دُولنا العربية جرّاء العدوان الإسرائيلي.

فنشهد آثارها  الغاشمة هذه المرّة في بلد الأرْز…لبنان.

هناك … من ضاحية بيروت حتى النبطية الجنوبية والقرى الحدودية

قد تظنون عند اختيار لبنان كمسارٍ أخير لجولتنا الافتراضية في مسار النكبة الفلسطينية، أننا سنقابل جحيم مخيمات الفلسطينيين هناك – حيث يُعاني لبنان بشدة بسبب صِغر حجم أراضيه وعدم القدرة على استيعاب ملف اللاجئين الضخم ولا التعامل معه. –

ولكن النكبة في الحقيقة لم تكن يومًا مقصورة على حدود فلسطين، بل كانت وما زالت مستمرة حولنا تضع أقنعةً أخرى، وتُلقي ظلالها القاتمة على منطقتنا العربية..

إن الاستعمار لا يكون فقط بالقصف الجوي والهجوم البدني، ولكن أيضًا بقدرته الفائقة على التسلل داخلنا بنعومة في أشكال عديدة.

ولطالما كان غرض الصهيونية ثابت وواضح، يرغبون في فرض هيمنتهم على أراضينا وخيرنا، وسرقة حلمنا وتاريخنا…

قد يُغيّر الصهاينة أدواتهم وطرقهم، قد نتغافل عن محاولاتهم الحثيثة في تغيير طباعنا، متسرّبين في حياتنا اليومية زارعين اليأس والطائفية فينا، مزيّنين الفكر الاستهلاكي لنتهافت على الماركات العالمية التي تحوّل فلوسنا إلى رصاص..

ولكن في كل مرة يَثبُت لنا أن الحل ليس بالتطبيع كما يدسّونه في رؤوسنا .. بل في زوال هذا الاحتلال، لتكون بلادنا لنا.

جئت لهذه الجولة مثقلة الروح، تملأني الكآبة والحزن الجاثم على صدري كوحش ينهشني، ولكنّي أصريت أن أكون هناك معهم، حيث الجنوب اللبناني المنكوب…

***

لبنان ابتُليَت بقدرٍ صعب عبر الزمن، ولكن شعبها يملك بذرة الحياة بداخله، الحياةُ التي يقف أمامها الألم والخوف منحنيًا.

لأقابل وأسمع قصصًا من أشخاصٍ كانت الحرب في تفاصيل حياتهم اليومية، رغم مغادرتها الشاشات…  لحظةٌ “نمدُّ فيها الجسور لمَن عاشوا الحقيقة” .. لتنطلق كشعاعِ نور يخترق السرديات الكاذبة، صامدةً للأبد كتاريخ منقول.

من وسط النبطية الجنوبية، على أنقاض السوق الرئيسي، بدأنا جولتنا.

محافظة النبطية الجميلة التي سُميت نسبةً لنبط الماء بين الصخور، والتي كانت تضم منابع المياه والفنادق، لتكون في استقبال التجار على طريق الحرير، كممر تجاري شهير.

شُيّد فيها السوق الكبير، وهو أضخم سوق تجاري في المنطقة، وعمره أكثر  من 400 عام.

كانت تُقام فيه فعاليات “سوق الإثنين”، الذي يبدأ مساء الأحد حتى صباح الثلاثاء، يقصده الجميع من شتّى الأنحاء، للتبضّع بأسعار مميزة، ولكنه الآن قد تدمّر تمامًا.

بل أن النبطية كانت من أكبر المدن التي شهدت النسبة الأكبر من اعتداءات الكيان الإسرائيلي، الذي يتعمّد ضرب الأسواق لضرب الاقتصاد.

ولكن “أبناء الجنوب” يقفون في كل مرة….

فبعد 3 أسابيع فقط من الاعتداء الإسرائيلي على النبطية، رجع التجار للعمل في السوق.

معتمدين على وحدات مُعدّة سريعًا، وأكشاك جاهزة، صُنّعت للتسهيل على التجار الذين فقدوا محلاتهم في السوق نتيجة القصف، حيث يمكنهم استكمال أعمالهم مباشرة دون انتظار إعادة البناء التي تأخذ وقتًا طويل.

لنرى وسط الدمار، حيث أحد بنايات السوق الآيلة للسقوط، رجلاً يقف في محله الملوّن بلعب الأطفال.

***

النبطية لم تستسلم منذ  عام 1975 ومرورًا بحروب 78، 82، 85، 96، 2006، والحرب الحالية التي بدأت في 2023 … فابن الجنوب يتحدى وسيبقى!

وهاهُم المغتربون منهم يصونون الجميل بحرصهم على إرسال الموارد والنقود لإعادة بناء محلات ومباني السوق وترميم الباقي، كونه السوق الأم الذي انطلقوا منه وتعلّموا فيه أُسس التجارة التي ساهمت في ذيوع صيتهم واشتهارهم في الخارج.

***

وكعادة لبنان العزيز، بأطيافه المختلفة، ضمّت النبطية السُنة، والشيعة، والمسيحيين في تعايش حقيقي.

حيثُ مررنا بنُصُب عاشوراء خلال سيْرنا في الساحة بالنبطية: والذي يحكي بدوره عن بسالة الشعب اللبناني..

ففي عام 1983 تحت الاحتلال الإسرائيلي، حاول الجنود الدخول وسط الناس في الساحة عندما كانوا يحتفلون بذكرى عاشوراء ..

فشعر اللبنانيون بالغضب وانطلقت بعفوية انتفاضةٌ شعبية مُهاجمةً إيّاهم بأيديهم العارية، مواجهين مدرعاتِ وأسلحة المغتصِب، الذي كان مشدوهًا مما يراه من صمود الناس الذين واجهوهم بالزيت المغلي والحجارة .. وكل ما يمكن أن تطاله أيديهم الشريفة.

وعلى بُعد خطوات، يُطالعنا شامخًا تمثال الشهيد: “حمورة” .. وهو أول شهيد ارتقى خلال انتفاضة عاشوراء، في 16 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1983.

***

على امتداد أنظارنا، نجد أنفسنا أمام ضيعةٌ حدودية…  ضيْعة “كفركِلا”.

التي انمحت من الوجود بعد أن كانت ذات يومٍ مِلء السَمع والبصر،: فقد جُرّفت 85% من أراضيها، في 8 أكتوبر 2023  – خلال “حرب الاسناد” -.

الصهاينة يعرفون كيف يكسرون عزيمة أصحاب الأرض، عندما يرون ما غرسته إياديهم يومًا قد أصبح نسيًا مَنسيا.

فالمزارعون –نبض الأرض وروحها –  يهتمون دومًا بأرضهم بترميم التربة من خلال “الحياة” بالزراعة البيئية والعضوية، والبُعد عن الكيماويات … هذا ما يُميّز الأراضي اللبنانية – الخيّرة – بأشجار الزيتون والزعتر والرمان .

ولكن بعد توغّل الإسرائيليين – تحت غطاء الأوروبيين ومباركتهم –  قصدوا تدمير مناطق الجنوب تمامًا، ليس فقط بالقصف،  ولكن بإدخال جرافات لتجريف الأرض والبيوت لحرمان أهلها منها، ولمحوْ تاريخ الأرض وبصمة الأجيال، عندما يعجز أهلها عن إعادة إعمار الأراضي مرة أخرى.

وهو دمار كانت “لبنان” وبقية دول الجوار يسمعون عنه منذ عام 48 ، من محوْ لقرى فلسطينية كاملة، مُحاولةً من الصهاينة أن يُثبتوا للعالم عدم وجود سكّانٍ أصليين للأراضي المُغتصَبة.

إلاّ أن “المزارعين” بكل عزيمة يصرّون على كشف هذا الكذب وغيره.. عبر توثيق أسماء الشركات وأسماء الدول الداعمة لإسرائيل، وأنواع الأسلحة المستخدمة في الحرب، والتي تحتوى على أسلحة محرّمة دوليًا رغم إنكار المشاركين في الحرب لهذا، وذلك عن طريق التحاليل والبحث الذاتي.


حيث سُجل استخدام الفسفور الأبيض* وبعض المعادن الثقيلة لضرب الجنوب.

***

هنا تنتهى جولتنا .. ولكن لم ينتهِ الكلام بعد …

مؤكدين على حقنا في العودة مهما طال الزمان .. 

———————–

  •  النص من كتابة وإعداد: أمنية إبراهيم – نشر في مدونتها الشخصية Omnia says blog – June / حَزِيرَان  2025
  •  لم يُذكر أسماء الناجين وأحفادهم، ولا الاستعانة بصور شخصية، حفاظًا على أمانهم الشخصي من العدوان الصهيوني.
  •  الصور المستخدمة، هي صور افتراضية مصنعة بواسطة Ai   
  •  الاقتباسات بالخط العريض والملونة هي اقتباسات مأخوذة من لسان أصحابها.
  • مراحل توثيق استخدام الاحتلال للفسفور الأبيض:

https://whitephosphorus.info

+

https://www.aub.edu.lb/natureconservation/Documents/Brief%20WP%20English.pdf

  • الأغاني المستخدمة:

1 -“عاب مجدك” – جوليا بطرس
https://youtu.be/fg3KEGwxdUE?si=Lq17U9AA8jrfYcYo


2- قصيدة “هنا باقون” للشاعر الفلسطيني توفيق زياد
https://www.aldiwan.net/poem11577.html


3-“سنرجع يومًا” – فيروز
https://youtu.be/jxKU_4yI4As?si=98DX6vw4O85VKZx7

Leave a Comment