إعادة نشر مقالتي مع مبادرة Superwomen التي كانت بتاريخ 23 نوفمبر 2020
.
لأن مجتمعنا يعرف جيدًا كيف يمكنه توجيه الضربات القاسية للمرأة بناءً على نوعها/جنسها، لذا سأعرض لكم ثلاث حكايات من أفلام مصرية، اختلفت في سنة العرض، والأبطال، والحبكة، والحالة الاجتماعية والاقتصادية ولكنها للأسف جميعها تتشابه في الظلم الذي يقع على المرأة وخاصة المطلقات والأرامل، لمجرد محاولة إيجاد حياة لهنّ وسط المجتمع الذكوري الجاحد وقوالبه الجاهزة القاسية.
فيلم عيب يا لولو .. يا لولو عيب (1978)
الحكاية الأولى عن “لولو” الأسكندرانية الشابة، والتي على ما يبدو كان عليها أن تدفع ثمن اختلافها عن أقرانها، والتي لم تسمح للزواج أن يمحي وجودها وأحلامها وأفكارها، فحاربت قهر المجتمع المتمثل في تخلّص عائلتها منها بتزويجها لتكون الآن في “رقبة رجل”، لتظل سلسلة القهر موصولة في صورة زوجها الذي يجبرها على أفكاره ونمط حياة تقليدي لا تعرف فيه المرأة سوى أن تكون مجرد ظل ليس له حتى حق الاعتراض، رغم إتفاقها وزوجها على أنه لن يمس حريتها وأنهما لن يكترثا بالناس والتقاليد.
تهرب للقاهرة بعدما اتهموها أنها السبب في تعطّل زواج أختها بسبب “سيرتها البطّالة”، تُقرر البحث عن شقة للعيش والعمل، وبعد الكثير من البحث تعثر على غرفة في شقة، هنا تبدأ عقدة الفيلم، فتلك الشقة كان يسكنها ثلاثة شباب يعملون أيضا في القاهرة ويتشاركون الإيجار فيما بينهم.
ليحاربها المجتمع بشراسة فتتم إهانتها، تطليقها، التشكيك في أخلاقها،التحرش بها جنسيًا، بل وإعتبار كل تصرفاتها “عيب” كبيرة ولا تليق بالمجتمع “المتديّن بطبعه”، رغم إنها لا ترغب سوى في العيش كبنى آدم طبيعي (أو كما الذكور في حالتنا) الذين لهم الحق في العمل أو الدراسة كمغتربين، ولا يجدون صعوبة في السكن حتى لو كان ذلك مع العفريت الأزرق شخصيًا.. لا أن يتم تفسير عيشها وحدها بدون أسرة أنه دعوة مفتوحة للعُهر.
تموت “لولو” في نهاية الفيلم، كأنه حل المجتمع في الخلاص من شاكلتها، أن تموت لتصبح في عالم آخر غير عالمنا القاتم الذي يشبه السجن.
ولكنني أرى نهاية أخرى، وهي أن “لولو” وغيرها يقفن قويات أمام العادات والتقاليد البالية للمجتمع، راغبات في اقتلاع حقهنّ، فالحقوق لا تأتي إلاّ بالقوة والصمود، نحن جميعًا سنموت في نهاية الأمر.. الفارق أننا لن نموت صامتات راضيات بالفُتات.
***
فيلم اغتيال مُدرسة (1988).
الحكاية الثانية عن “هدى” الأرملة، والأم لطفلين، والتي تعمل في مدرسة خاصة للثانوية، وفي صراع مع شقيق زوجها الذي يريد الاستيلاء على ميراثها وأولادها ويُعدّ الوصي على الأطفال القُصر، رغم كونه منتهك لحقوقهم ولا يُعطيهم سوى الفتات، ولكن المحكمة رغم ذلك ترفض منح الأم الوصاية على أموال أطفالها.
تضاعفت عليها الديون بسبب دفع مصاريف المُحاكمات التي لا تنتهي، لذا تلجأ مضطرة لتقديم الدروس الخصوصية، التي تكتشف خلالها أن طالبتها حامل نتيجة علاقة غير شرعية مع زميلها، فتُحاول بشكل شخصي التدخّل لحماية الطالبة، ولكن الأخيرة تتفق مع عشيقها لتدبير مكيدة ضد المعلمة “هدى”.
فيتم استدراجها لبيته واغتصابها تحت تأثير المخدر وتصويرها، وتلفيق تهمة أخلاقية لها، تتعرّض خلال التحقيقات لإستخفاف بحقوقها وإيذائها لفظيًا من رجال القانون، وهذا السلوك انتقل من جنبات النيابة لعملها ولمدرسة أبنائها وإهانتهم وذكر سيرة أمهم بالسوء، فالكل يرونها سيدة سيئة السمعة رغم عدم ثبوت شيء ضدها، ورُغم أن قضايا الإغتصاب تحتاج تعاملاً سريعًا لعدم ضياع الأدلة، لكن قِدم المنظومة القانونية كانت السبب في ضياع ما ما يُثبت حقها.
يستغل عم أولادها تلك الحادثة لرفع قضيّة “سوء سلوك” ليحصل على حكم بضمّ الأولاد لرعايته وحرمان الأم منهم، لتجد نفسها في لحظة قد خسرت كل شيء، ليتم دفعها دفعًا لقتل نفسها يأسًا بعدما قتلها المجتمع أولاً وسلبها كل طُرق النجاة.
***
ملف في الآداب (1986)
الحكاية الأخيرة عن ثلاث موظفات كادحات مطحونات إقتصاديًا، (مديحة، رجاء، عايدة) جمعتهم صداقة بسبب عملهنّ في نفس البناية التي تقع في وسط البلد، ونظرًا أن فترة الراحة في الظهيرة بين فترتيْ العمل كبيرة، ومن الصعب الرجوع لبيوتهن البعيدة عن مكان العمل، وبمرتباتهن البسيطة يحاولن قضاء تلك الساعات الطوال في التجوّل في الشوارع والتسلية بمشاهدة واجهات المحلات، أو سرقة بعض ساعات النوم في قاعات السينما الفقيرة، وتناول طعام الشوارع المتواضع لكي يساعدهن على تكملة يوم مرهق في العمل.
في المقابل نرى بقية الموظفين “الرجال” يمكنهم أن يذهبوا بسهولة للقهوة للعب والتسلية، لمحادثة الغرباء، بل النوم قليلاً، وكل هذا بمبالغ لا تُقارن مع الأماكن التي تحاول الفتيات دخولها للجلوس قليلاً.
تُوافق الأرملة “مديحة” على توسّط زميلها الحج ذو الثقة، لقبول دعوة غداء جماعية في بيت الرجل الذي يرغب في الزواج بها (كمال)، الشاب الخجول الصامت، ليروا الشقة ويتناولوا جميعًا “عيش وملح” معًا.
وذلك بعد أن توقّف حلمها عند مرحلة أن تعيش في “شقة” وليس غرفة في المقابر كحالها الآن، وأن تقضي ساعات الضهر بين الورديتين في الغداء والإستحمام والراحة لتكملة بقية يومها نشطة، بل إنها وعدت صديقاتها أنها ستحميهم من قضاء الوقت في المشي حتى تحفى أقدامهنّ.
ولكن شرطة الآداب تهجم على الشقة في ذاك الوقت لتُلقي القبض على الفتيات بالتهمة الجاهزة ” الدعارة وممارسة الرذيلة”، بعد تلفيق تلك القضية بسبب فساد أحد رجال الشرطة، مستغلا خوف المتهمين من الفضيحة، يزوّر أقوالهم في التحقيقات، ويُهدّد بالكشف الطبي القهري على العذروات منهنّ، بل استخدم الرجال كشهود زور ضد الفتيات، محوّرًا التصرفات الإعتيادية كشرب السجائر، التسكّع، الضحك، ومشاهدة واجهات المحلات إلى خطيئة وسبب في إثبات فساد أخلاقهن.
تنتهي القضية سريعًا بعد كشف الفساد، ويحصلوا جميعا على البراءة.
ولكن تقف “مديحة” في مشهد قوي، يُدمي القلب، وهي تصرخ قهرًا في وجه المجتمع :
“حكم البراءة بتاعك ما يلزمنيش! يمنع عنّي سجن الحكومة مش السجن اللي برّة، سجن الحكومة ليه أول وليه آخر، ولكن سجن الناس لا ليه أول ولا آخر، الشارع هيبقى سجن، الأوتوبيس هيبقى سجن، كل نظرة وكل كلمة هتتقال هتبقى نازلة زي ضربة الكرباج، حكم البراءة بتاعك مش هيرجّعني تاني مديحة الشريفة، ما بتوع السينما قالوها زمان، شرف البنت زي عود الكبريت.. *يضحك الحضور* شوفت يا جناب القاضي فاكريني بقول نكتة، مش كلهم سمعوا حكم البراءة؟، مش مصدّقين!، أنا شريفة على الأوراق الرسمية وبس ولكن أدام الناس هفضل مديحة اللي ليها ملف في الأداب!”
#العنف_ضد_المرأة
#مناهضة_العنف
#حملة_16يوم_ضد_العنف_المبني_على_النوع
#violence_against_women
#16Days_of_activism_against_gender_Based_violence
.
لقراءة المقالة على صفحة سوبروومن بالفيسبوك
https://www.facebook.com/Superwomenstory/posts/1358225974508953




Leave a Comment