::Photo credit goes to its owner::
في الصباح حضر “أبو عادل” في ميعاده بالضبط فتحركنا لوجهتنا .. “فاريا”
سألته عن نصيحته عن كيفية قضاء الوقت هناك وخاصة إنني لا اعرف ماذا يمكننا أن نفعل .. فنحن لم نشاهد ثلجًا في حياتنا.
أخبرني إنه يمكنني ركوب Jet ski واللعب في الثلج والبقاء قليلا لشرب الشاي هناك .. وليس شرط أن تعرف كيفية ركوب Jet ski فسيكون معنا guide بالتأكيد ليرشدنا ويُساعدنا، أما عن التزلج والتليفريك الخاص بالمتزلجين تحتاج أشخاص مُعتادين على التزلج، حيث سيأخذهم التليفريك لأعلى قمة الجبل ويقوموا هم بالتزلج مستخدمين الزلاجات حتى الوصول لقاعدة الجبل.
هكذا تشجعت أكثر لهذه الزيارة .. فلقد كنت قلقة كيف سنقضي الوقت هناك وماذا سنفعل بالضبط ونحن فردين فقط .. هذه الرحلات تحتاج مجموعة حتى لو صغير لتكون ممتعة ….
كما أن ملابسنا والأحذية لا تناسب الجو هناك .. ولكنني عرفت أنه يمكننا تأجير ملابس وأحذية لتساعدنا على الحركة.
“فاريا” هي المكان السياحي الوحيد تقريبا الذي يمكن الذهاب إليه يوم الإثنين لأنه مكان مفتوح، بالإضافة كونه يوم غير مزدحم .. فكل شيئ حكومي سياحي في لبنان يغلق أيام الاثنين …
عرفنا أن الجميع اعتاد تسمية المنطقة بإسم “فاريا” رغم إنه فقط اسم مدخل المدينة .. أما منطقة التزلج والسياحة تُسمى ” عيون السيمان” ..
ورأينا الطريق وقد تكوّمت الثلوج على جانبيه بعدما جمعته “جرافة الثلوج” لتُفسح الطريق أمام السيارات التيكان مثبت على إطاراتها سلاسل معدنية لتستطيع السير بشكل افضل في الثلج رغم إن هذا يُرهق السيارة ..
الطريق كان يزداد ضيقا في طريقنا للصعود لـ“عين السيمان” ونشعر بالثلوج الصلبة تصطدم بعجلات السيارة…
لقد بدأ كل شيئ يتحول حولنا للأبيض الناصع .. لقد اختفت المدن والشوارع …لقد وصلنا أخيرا لصفحة بيضاء صافية أمامنا.
نزلنا من السيارة ونظرنا حولنا في حالة إنبهار شديدة .. إنها المرة الاولى لنا التي نرى فيها الثلج وجها لوجه .. ليس في التلفاز .. إنني لست واقفة أمام باب ثلاجة بيتنا .. ليس مجرد قُطن بالمجسّمات في المولات .. إنه ليس حُلم .. إنها الحقيقة
إن الامر حقيقي لدرجة البكاء … إن الهواء البارد يدخل رئتي كإنه يغسلها .. لماذا لا أشعر بالبرد القارص كما يشعر الباقين .. لقد فقدت الاحساس فعلا 😀
والغريب أن الشمس كانت ساطعة .. متألقة في السماء حيث لا توجد غيمة واحدة توحد ربنا للغلابة أمثالي. (وهذا استنصاد رسمي نظمي فهمي 😀 )
على الهضبات يوجد محلات لإستجار الملابس الخاصة بالتزلج، ولكن “أبو عادل” ارشدنا لأحد الأماكن التي يعرفها للإتفاق معهم.
لقد كان كالكوخ الكبير والواسع وسط الثلوج .. تصعد بعض السلالم لتُقابلك بعض الطاولات الخشبية الكبيرة وكراسي خشبية ايضا تطل على الثلج ومنطقة التزلج .. هنا يجلس الناس لشرب الشاي حتى ينتهوا من الإتفاق على كل شيئ.
خلف تلك الطاولات كان هناك منطقة واسعة مغطاة السقف مقسومة لقسمين .. حيث تراصت الملابس والأحذية والزلاجات وكل شيئ مُتعلق بالتجهيزات التي يمكن أن نحتاجها للثلج
عرّفنا “ابو عادل” على الشباب الموجودين في المحل واخبرهم أن يعتنوا بنا جيدًا ..
سألوني: “كيف أرغب في قضاء وقتي على الثلج؟ .. أخبرته إنني أريد ركوب jet ski
حينها سيكون من الضروري أن استأجر الملابس المناسبة لذلك .. حيث ستكون بدلة كاملة ( بنطلون – جاكيت – حذاء طويل الرقبة – قفاز – نظارة لحماية العين من الهواء البارد – قبعة صوفية )
فكل هذا ليحمي ملابسي من الإبتلال .. فسوف أرتدي كل هذا على ملابسي الحالية ولن تصاب بأي مشكلة ويمكنني العودة بملابسي جافة نظيفة لا يوجد بها خدش.
بمجرد موافقتي على تأجير هذه المعدات احضر لنا “قائمة الاسعار” لتكون أمامي ثم بدأ في حساب تكلفة الـjet ski في البداية فوجدنا الماكينة الصغيرة تكفي فرد واحد فقط بـ130 دولار في الساعة ..
ولكني أخبرته إنني سأركب انا وأختي معا …
لذا عرض علينا حجز العائلية ( 160 دولار ) التي تكفي لشخصين ولكن بسعر الماكينة الفردية .. وسوف يخرج معنا guide
ثم بدأ في حساب الملابس كاملة لي ولأختي .. فكانت تكلفة كل شيئ
ملابس كاملة لشخصين + الماكينة = 350 دولار
فأخبره “ابو عادل” إن الفتيات يملكن ميزانية محدودة .. قدم لهم بعض التخفيضات ..
هكذا جعل ( النظارة + القبعة الصوفية) مجانا لتصبح التكلفة النهائية 300 دولار
دفعت المبلغ وبدأنا في ارتداء الملابس .. حيث كان تخمين الرجل لمقاسي صحيح في كل شيئ وكان ما يُحضره يتناسب معي مباشرة ولا أحتاج لتغييره .. ما عدا القفاز فلقد تم تغييره مرتين وفي النهاية وصلنا لواحد يمكن اعتباره مناسبا.
فأنا مأساة في اللبس .. البنطلون مناسب ولكنه دائما ارجله طويلة للغاية .. الجاكيت مناسب ولكن اكمامه طويلة .. القفاز يدي مختفية فيه وظل الرجل يبحث عن اصابعي المفعوصة بداخله .. وهذا يحدث مع أي لبس اشتريه بلا استثناء 😀
انهينا ارتداء ملابس التزلج فوق ملابسنا التي جئنا بها .. ثم طلبوا مني التوقيع على شروط وقوانين الاستئجار ..
هكذا أصبح كل شيئ جاهز .. فنزلنا السلالم لنجد سيارة صغيرة تنتظرنا مع سائق ورجل خليجي سيذهب لركوب الـjet ski أيضا ومع نفس الـ guide
هذه السيارة ستذهب بنا إلى المنطقة التي تتراص فيها الـ Jet ski وبجانبها يقف مجموعة من الـــ guides لهذا اليوم في انتظار بدء الجولات.
المسافة لم تستغرق أكثر من عدة دقائق .. ثم وجدنا انفسنا امام الـguide الذي اخذنا بحماس لنركب الـJet Ski
أخبره السائق ونحن نسير أن “اهتم بالفتيات جيدًا وأجعلهم يصوروا عدة مشاهد من الجبال فهذه توصية من صاحب المحل شخصيا”.
وصلنا أمام الماكينات لأخبره إنها المرة الاولى لي .. وإنني لا اقود سيارة ولا دراجة .. فعليه أن يُراعي تلك الأمور من البداية لكي لا يُصدم عندما نتحرك.
أخبرني أنه لا داعي للقلق .. فهذا هو مقبض الوقود وعلى الطرف الآخر مقبض الفرامل .. هكذا ابتسم وتركني
لسبب غير مفهوم كنا نتحدث دائما إنني أنا من سيقود وأختي ستجلس خلفي رغم إننا لم نتناقش في هذا الأمر من الأساس … ولكني كنت سأترك لأختي القيادة بعض الوقت لكي تجرب الشعور .. ولكن ليس الآن.
هكذا جلست في مقعد القيادة وجلست أختي بالخلف بعدما قام الـ guide بإدارة محرك الماكينة بجذب سلسلة ما بقوة بعدها تسمع صوت المُحرك يزأر عاليا ..
أمامنا على الماكينة الأخرى (( مش عارفة ليه كلما ذكرت اسم ماكينة بدلا من Jet Ski اتخيل نفسي واقفة في الحارة ومعايا شوية بلطجية وبقولهم .. بوص بقى يامعلم .. الحتة اللى ادامنا دي هنعمل بيها الموشوار الفولاني هههههههههه .. بيئة آخر حاجة الصراحة)).
جلس الـ guide في مقعد القيادة على الماكينة الأخرى وخلفه الشاب الخليجي الذي أخبره إنه يخاف من القيادة لذا سيجلس بالخلف ..
تحركت الماكينة الأولى الخاصة بالـ guide وأخبرني أن اتبعه في خط مستقيم .. ضغطت على مقبض البنزين فإنطلقت بسرعة .. وكانت هذه المرة الأولى في حياتي التي اركب بها شيئ يُدار بالبنزين .. الشعور بالماكينة تطير بسرعة وتشق طريقها وسط الثلج … شعور جديد ومُنعش والكثيييييييييييير من التوتر .. شعرت أيضا بالقوة والإنطلاق ونحن نصعد الجبل الأول في طريقنا .. لقد كان متوسط الإرتفاع .. توكلت على الله وصعدته بنجاح .. قلقت قليلا عند الهبوط ولكني فعلتها.
علامة الرضا كانت على وجه الـ guide تخبرني إنني doing well
هكذا تحمس الرجل وصعد جبل عالي .. ونجحت أيضا في هذا .. لقد كان مشهد الهبوط مرعب
عندما ترى الماكينة تقف على حافة الجبل وتهبط في خط مستقيم في سرعة .. وكنت قد قررت إنني لن اضغط على البنزين طوال مرحلة الهبوط فلتحصل على سرعتها بفعل الجاذبية وكنت اقلل تلك العملية بالفرامل بين الحين والآخر.
الرجل ازداد حماسا .. واختار جبل أعلى بكثير .. نجحت أيضا في صعوده ولكن في الهبوط مالت مني الماكينة تماما .. بذلت كل قوتي لأعيد اتزانها ولكنها انقلبت بسرعة.
ما اذكره إنني اصبحنا على الارض والماكينة مقلوبة بجانبنا .. جاء الـ guide مسرعا بالماكينة الخاصة به لانه كان قد ابتعد بشدة عني .
سألنا هل نحن بخير .. اخبرته إنني عندما شعرت اننا نسقط ضغطت الفرامل بكل قوتي حتى نقلل عملية السقوط ونحن على المنحدر .. لذا نحن بخير ولا نشعر بالألم.
الـ guide جعلنا ننتظر قليلا ليهدأ كل شيئ .. ونقوم بالتصوير قليلا ليضيع التوتر ثم نُكمل الجولة.
أخبرني الشاب الخليجي إنه تفاجأ عندما عرف من الـ guide إنني لم أقد سيارة او دراجة من قبل ورضيت أن اقود الـjet Ski .. ولكن الـ guide قال له إنها ” اباضاية \ شجاعة” 🙂
الـ guide خلال كلامنا طلب مني أن ارفع يدي عاليا وأن اريه كفي.. فوجده يرتعش .. فضحك وأخبرني أن “تماسكي يافتاة”
أخبرتني أختي وهي تشجعني إن قيادتي كانت ممتازة وإنها تفاجأت بقدرتي على هذا .. حيث شعرت بالقلق في بداية الأمر عندما وجدت الجبل الأول ولكنها وجدتني أقوم بالأمر بشكل جيد تماما.
تشجّعت بفعل كلامهم .. وبدأنا جولتنا مرة اخرى .. تجوّلنا بين عدة جبال .. عندما كنت أنظر للجبل .. اسأل نفسي هل سأستطيع فعلها .. هل سأغمض عيني مثلا وأنا أصعده من شدة القلق .. ولكني أخبر نفسي.. لو فكرتي بهذا الشكل ستسقطي .. فكري إنك ستصعديه مهما حدث .. فقط ركزي وأحسبي متى يمكنك استخدام البنزين والفرامل بشكل متوازن.
نجحت في اجتياز عدة جبال .. ووقفنا جميعا لنقوم بالتصوير مرة اخرى … لقد كان الأمر ممتعًا.
وقتها أخبرت الـ guide إنني لاحظت أن الماكينة تميل دائما ناحية اليسار مما يجعلني أحاول جذبها ناحية اليمين بكل قوتي لدرجة إن ذراعي تصلّب من شدة الجذب ..
فطلب مني أن أنزل منها وأن أجلس خلفه على ماكينته لكي يُريني تجربة أن أجلس بالخلف .. وفي نفس الوقت يجعلني أرى كيف يمكن التحكم بالماكينة وقت صعود الجبل والهبوط منه بشكل عملي.
جلست بالخلف .. بدأ الـ guide في التحرك واختار جبل شاهق للغاية وقرر أن يصعده .. وركزت معه كيف كان يتصرف .. ومتى يضغط على البنزين بالضبط .. وبأي مقدار ..
اوه .. إن الجلوس في الخلف صعب للغاية .. هو مجرد مقعد صغير تمسك بيديْك جيدا المقبض على جانبيْه ..
على عكس موقعي في كرسي القيادة رغم صعوبة كونك انت مَن تقود الماكينة .. وترى مشهد الهبوط اولا من مكانك العالي .. ولكنك تعرف أين ستتحرك بالضبط وما الذي تفعله وتقرر كل شيئ من مكانك .. كما إنه مع وجود مُقدمة الماكينة والمقابض الضخمة امامك يُشعرك إن هناك حاجز بينك وبين السقوط على وجهك ..
وهذا ليس موجودًا في المقعد الخلفي .. فالشخص الذي أمامك مباشرة لا يحجب عنك الرؤية في لحظة هبوط الجبل مثلا .. بل إنه ينكمش بسبب تركيزه وتحركه على الماكينة وانكبابه عليها ليتأكد إنها تسير كما يريد.
لذا وجدت أنه بشكل ما فضّلت مقعد القيادة .. على العكس أختي فضلت المقعد الخلفي ..
تجوّل الـ guide قليلا على الجبل .. وعند النزول اخبرني أن انتبه جيدًا .. فالماكينة ستميل ناحية اليسار لذا هو وأنا سنميل ناحية اليمين بكل ثقلنا بحيث تتزن الماكينة طوال مرحلة الهبوط .. والتي كانت رهيبة من هذا الارتفاع
وصلنا للمكان الذي تركنا فيه أختي والرجل الخليجي .. فسألوني هل كان الأمر مرعبا .. اخبرتهم أنه لا ..
فإبتسم لي الـ guide واخبرني إنني قوية بالفعل.
(طوال الرحلة كنت اشعر بالرجل متحمسًا لي .. ولقدراتي ومنتظرا مني نتائج قوية .. كنت اشعر بهذا في تحركاته واختياره للأماكن التي سِرنا فيها .. فلقد كانت طرقات صعبة فعلا ومرهقة على مبتدئ لم يجرب شيئ مُشابه حتى تلك التي تُستخدم في البحر .. لقد كان قاسيا في اختياراته ووجدني استجيب معه )
عاد كلُّ منا إلى مكانه .. وهنا اقنع الـ guide الرجل الخليجي ان يُجرب القيادة فلا داعي لكل هذا الرعب .. فهو يقود سيارة في بلده، وإنني رغم إني لا اقود الجمل حتى في بلدي واستطعت أن افعلها.
لذا بدأنا جولتنا مرة اخرى ولكن بهدوء هذه المرة .. وسقطت مرة أخرى وشعرت كأن وزني لا يؤثر في الماكينة وتظل تميل ..
الـ guide حاول التخفيف عني واخبرني إنه ” لا يوقع الا الشاطر” وإنه تبقت لي سقطة اخيرة لتكون ” الثالثة هي الحاسمة”.
رجعنا مرة اخرى للسير وسط الثلج .. لقد كانت سرعتي هذه المرة أقل بكثير من المرات الأولى .. لقد شعرت إنني تراجعت بشكل ما بعد السقطة الثانية .. وأخذت أفكر ..كيف سأتغلب على الأمر فيما بعد .. لقد شعرت بالإحباط وإنه لو كان يمكن لأحدهم قيادة تلك “البتاعة” بدلا مني فسأكون شاكرة له بشدة.
ثم بدأت أفكر مرة اخرى .. مَن يا فتاة سيقود الماكينة عنكِ وانتي وسط هذا البياض ؟
هل ستُعلني انك انهزمتي هكذا بسهولة ومن بعد سقطتين فقط ؟… لقد دخلتي الأمر بنفسك ولا يوجد غيرك الآن .. وأختك تعتمد عليكِ .. ولن تظهري بمظهر الرعديدة الآن .. اكملي طريقك كيفما اتُفق .. اكملي حتى النهاية.
هكذا اكملت طريقي … الأفكار تتسارع بداخلي وأنا اقترب من منحدرات وجبال .. ولكني بذلت كل جهدي أن اظل خلف الـ guide مباشرة .. بحيث يخفف عنّي وُعُورة الطريق عندما يشقه اولا بماكينته … ولكي اكتسب بعض القوة عندما تسير الماكينة معي بسلاسة اكثر …
قابلنا فجأة عدة اشخاص في طريقنا للرجوع … لقد امتلأ المكان بهم .. كل منهم يأتي من اتجاه مختلف .. منهم من يمارس ركوب الـjet Ski بإحترافيه شديدة ..
قام الـ guide بتغيير خط سيره لمكان أسهل في تلاله بعدما وجدني مُرهقة ..
تحركت خلفه بهدوء .. ولاحظت ان الطريق بعيد ومسافته أطول حيث به عدة جبال ومنحدرات متوسطة الارتفاع، وإن عدد المتزلجين كُثر في الطريق الذي نسلكه الآن
فهو على ما يبدو الطريق ” المُعتاد او المشهور” على عكس الطريق الاول السريع الذي سلكناه في البداية .. فلم يكن يسير فيه الكثيرين نظرا لكثرة جباله العالية.. لهذا لم نقابل طوال ذهابنا سوى شخص أو شخصين.
على عكس طريق رجوعنا كلما اقتربنا من “الطريق المعروف” ظل عدد الأشخاص في إزدياد.
ظللنا هكذا حتى وصولنا، وودعنا الجميع، فذهبنا عند السيارة المنتظرة والتي عليها ارجاعنا لمحل الملابس مرة أخرى ..
وصلنا بعد دقائق للمنطقة التي بدأ منها كل شيئ .. وجدنا “أبو عادل” بالأعلى يطلّ علينا من شرفة المحل .. حيث اخذ يُلوّح لنا بيده بسعادة أن “مرحبا بعودتكم “.. سألنا من مكانه هل سترجعوا لتبديل ملابسكم؟
اخبرته إننا نريد اللعب على الثلج قليلا .. فلم استطع استغلال المنطقة الصافية باهرة الجمال التي كُنا فيها عند منطقة الـ Jet Ski
لذا لنلعب بالثلج عند المنطقة التي نحن بها حاليا .. كانت هناك منطقة خاصة للمتزلجين وتلفريك الثلج.. وهي منطقة خطرة لا يدخلها إالا المتزلج ومعه الزلاجات حتى لا يتعرض للاصطدام بهم وتحدث اصابات.
خلعت القفاز ولمستُ الثلج بيدي .. اردت أن استشعره ..كيف سيكون ياتُرى؟
لقد كان هشًا لطيفًا .. لم اشعر به يؤلم يدي وأنا احركه بين اصابعي .. لقد كان عذبًا هشًا.
أخذت نظرة على المكان الواسع أمامي .. كإنني في حلم أبيض .. الشمس فوقي صافية .. المتزلجون يصعدون وينزلون من التليفريك .. ترى كيف هي متعة التزلج بنفسك على الثلج؟
أختي كانت سعيدة بجانبي بإبتسامتها العسولة .. لقد كانت ملابسها صفراء مثل اشعة الشمس.
هكذا مرّ الوقت وقررنا إنه حان الوقت لنرحل.
وصلنا للكوخ الكبير الذي يقع فيه محل الملابس .. خلعنا ملابسنا وأعتذرت للرجل الذي يأخذ مني الملابس ان البنطلون مشبع بالمياه من أسفل فلقد كان طويل للغاية ومسحت به الشارع كله في حماس 😀
نزلنا للسيارة مع “ابو عادل” وهو يسألني عن لحظاتنا مع الـ Jet ski ولقد كنت أنا وأختي نحكي له بإستمتاع ونضحك على ما حدث …
لقد سعدت بتلك التجربة فعلا بكل ما فيها .. ولم أشعر بالضيق منها رغم الهواجس ومشاعر الإحباط التي اصابتني لبعض الوقت .. فهذه أشياء طبيعية كانت ستحدث بالتأكيد مع شخصية “تخللت” من الجلوس بعيدًا عن البشر والتعامل واختبار الجديد …
كل ما حدث طوال الرحلة من أفكار كانت في رأيي أفكار ستظهر وتُعلن عن نفسها حتى لو كنت اشتري الفاصوليا من السوبرماركت .. ولكن قدرتي على التفاعل معها .. وتحويل كل شيئ أفكر فيه بسلبية إلى شيئ يدفعني للأمام لأفعل الشيئ الجديد .. لأخوض التجربة .. لأشعر بكل ما فيها كان ذلك هو انتصاري بعدم استسلامي لشعوري بالضيق
وكوْنها كانت مجرد أفكار تأتي وتذهب بينما تظل الطاقة بداخلي هو ما جعلني أشعر بالسعادة ..
فأنا حقًا لا أذكر من أيام رحلتي سوى الأشياء السعيدة ولا أذكر إنني كنت مُنزعجة أو أشعر بالضيق والإحباط بشكل يُحيل الرحلة إلى ذكرى سيئة لا سمح الله.
كل هذه الأفكار دارت برأسي ونحن في طريقنا للعودة بالسيارة إلى بيروت .. لقد كانت تجربة “فاريا” متعة حقيقية وأنا سعيدة كوننا قررنا الذهاب إليها رغم ترددنا في البداية .. وسعيدة إنني وُفقت في إختيار “ابو عادل” الذي سهّل علينا الأمر بحديثه وعلاقاته مع أصحاب محل الملابس فلقد اعتنوا بنا بشدة هناك.
عندما اقتربنا من الفندق .. طلبت من “ابو عادل” أن يذهب بنا الى مطعم معروف في شارع الحمرا يدعى “بربر”
ولقد حدثنا عنه من قبل إنه مطعم ممتاز وسعره جيد للغاية .. ولكني لم اره في شارع الحمرا الذي قطعته ذهابا وعودة أكثر من مرة .. لأكتشف إنه لا يقع على الشارع تماما .. بل في أحد الشوارع الجانبية والتي تطل عليه.
هكذا أنزلنا عنده بعدما وودعنا للمرة الأخيرة مع الابتسامات والدعوات والكثير من الشكر.
دخلنا المطعم كان مُزدحم بشدة .. ولكننا وجدنا طاولة بإعجوبة .. طلبنا أطباق بسيطة وسريعة من المازة اللبنانية .. “اصابع الجبنة الطويلة + ورق عنب وبطاطس مقلية.
سبحان الله رغم إنها كانت جيدة .. ولكنها لم تكن مميزة مثل تلك التي أكلناها من قبل في مطعم “تاء مربوطة”
أكلنا ثم دفعنا الحساب ورجعنا سيرًا للاوتيل ..
طوال الطريق ننظر لشارع الحمرا بعيون مودّعة كونه كان اليوم الأخير في الرحلة الأولى .. كنت اشكر هذا الشارع لكوْنه كان قطعة مميّزة في رحلتي …
لقد تناهى لمسامعنا صوت رجل يُرتّل القرآن بصوت جميل وهو يجلس على الرصيف .. وبعده بقليل كانت هناك سيارة متوقّفة تعلو الأغاني منها ويقف صاحبها بالقرب ليجعل المارين حوله يستمتعوا معه بالأغاني ..
وفي الحالتين لم اشعر بالإنزعاج او إنهم يحاولون التساخف على الآخرين أو استعراض عضلاتهم وإن هذا الشارع ملكية خاصة لهم مثلا .. بالعكس .. الأمر يسير بعفوية وعذوبة .. إذا أردت الوقوف امام الرجل لتسمع له بشكل اوضح ..قف لن يمنعك أحد .. لو أردت أن تبتسم وترقص على أنغام الأغنية فلتفعل .. واذا لم يعجبك أي الأمرين سِر في طريقك بشكل طبيعي جدا فلن يعترض طريقك أحد.
التاكسيات الملونة كانت موجودة في كل مكان وأصحابها يسألونك “تاكسي؟”
شاهدنا عرض صامت في احدى الجوانب من مجموعة من الشباب يحاربون العنصرية والطائفية .. كانت وجوههم تحكي عن غضبهم وأن ” احذروا ما يتم أخذ البلد إليه” وذلك على خلفية أغنية فيروز “بحبك يا لبنان”
كانوا يحملون اللافتات التي تُندّد بكل ما هو كريه في نفوس البشر .. طالبين السلام والمحبة للبنان وشعبه
وفي الوسط تماما كانت هناك طاولة عليها صندوق مكتوب عليه الإنتخابات حيث تكالب عليهم أشخاص يرتدون اقنعه مُصمتة خالية من أي تعبير .. لقد كانوا يرمزون لحب السلطة والكُرسي.
ثم تأتي مشاجرة بالأيدي بين ذلك الشباب الثائر وبين مُحبي السُلطة .. يُخرج الحُكام اسلحتهم ويركضوا خلف الشباب الثوري .. ولكنهم يُلقوا الصندوق لبقية أقرانهم .. هكذا مزق الثوار الصندوق الذي يعشقه اصحاب السُلطة .. ولكنهم وجدوا أنفسهم يتم إجبارهم على البقاء في مكان واحد .. حيث جمعوا كل الشباب هناك .. ولكن هؤلاء الشباب بشكل ما سيجدوا طريقهم ليخرجوا مرة اخرى ويظلوا ينادوا إنه ” لا للطائفية .. لا للعنف .. لا للعنصرية .. نحبك يا لبنان للأبد”
لقد كان هذا العرض مؤثرًا للغاية .. إنها صرخة الشباب للعالم الذي أصبح ينساق بسرعة الصاروخ ناحية “الطائفية” والعنف الشديد لأنك فقط “لست منهم” .. وأن “الموت والظلم والحقد لك يا مَن لا تحمل نفس معتقدي وديني”
سيظل هذا العرض خالدًا في ذاكرتنا .. كما سيظل شارع الحمرا …
أردنا ان نبقى قليلا في شارع الحمرا .. لقد كان الشارع هادئ .. كإنه حزين لفراقنا بالغد
وجدنا كافيه يدعى “لذيذ” كان الجميع يرشحه لنا ان لديه كعكة بالشيكولاته تشبه البراونيز مع الآيس كريم .. إنها هشة للغاية وبداخلها شيكولاته ذائبة ويجب علينا ان نجربها … بلا توضيح لإسمها لإنهم لا يذكروه..
لهذا .. فكرنا لماذا لا نُجرب ذلك المذاق في ليلتنا الأخيرة هنا؟ .. جلسنا في الجزء الخارجي من “الكافيه” على احدى الطاولات … وبدأنا نبحث في “المنيو” عن اسم الكعكة بنفس المواصفات التي اخبرونها عنها أصدقائنا.
فخمّنا اسم واحدة فهي الاقرب للتصوّر الذي اخبرونا عنه .. طلبتها أنا .. وطلبت أختي نوع مختلف لكي نجرب صنفين .. هكذا طلبت هي حلوى “راحة الحلقوم”
جاءت الكعكة وكانت كما وصفوها بالضبط .. وللسخرية إنني نسيت اسمها أنا ايضًا الآن .. على ما يبدو إن طعمها الحلو يجعلك تنسى أي تفاصيل أخرى .. فلن تهُم وقتها .. فقط تذكّر ذلك الشعور اللذيذ.
كانت بالشيكولاته .. عندما تضغط عليها بالمعلقة فتنفتح ليسيل منها الشيكولاته الذائبة الساخنة .. لقد كانت الكعكة هشة تذوب بالفم … لقد بدّدت الكثير من الشعور بمرارة الرحيل.
في صباح يوم السفر .. جهّزنا كل شيئ في الحقائب .. ثم خرجنا نتمشى قليلا قبل الذهاب للمطار.. ذهبنا لكافيه “يونس” وجربنا Cheesecake Oreo وأخرى blackberry
طلبنا ثم خرجنا وجلسنا في مقاعد الكافيه الخارجية ..
لقد كانت لحظاتنا حلوة بطعم الـ Oreo
انهينا أكلها سريعا وبدأنا نتحرك .. بكل هذه المشاعر وأكثر غادرنا الاوتيل ..
:::: لمتابعة بقية الرحلة .. يُرجى مراجعة التدوينات في هذا الـ Tag من هنــــــا ::::




Leave a Comment