في اليوم الثاني اخذنا طريقنا في شارع “الحمرا” الساعة 7 صباحًا ومنه للكورنيش حتى نبدأ رحلتنا في محراب الجمال .. الكورنيش كان بديعا بكل ما فيه .. صوت الأمواج وهي تضرب الصخور، والبرودة المُحببة تحيطنا من كل مكان .. وكانت الغيوم هنا وهناك تملأ السماء .. كان لوحة بديعة اكتملت باللبنانين اللطفاء الذين قرروا ان يقضوا بعض الوقت هناك على الكورنيش..
فهناك رُقي واضح في التعامل .. وهناك حب ومودة بدون الكثير من الحوارات .. فقط ابتسامة من هنا تُقابلها ابتسامة من هناك … هكذا سِرنا مُستمتعين بكل لحظة .. لقد سِرنا ساعات طويلة ولم ننتبه للوقت حتى وصلنا لـ “صخرة الروشة” المكان الاشهر في بيروت ودائما يأتي في التلفاز للتعبير عن السياحة هناك ..
رؤيتي لتلك الصخرة كان كالحلم .. إنني أستطيع مشاهدة كل ما كنت أراه في التلفاز رؤيَ العيْن .. انه يمكنني أن أخبر نفسي بسعادة إنني كنت هناك .. وأن تكون لي ذكريات مرتبطة بروائح جميلة وألوان ومشاعر وليس شيئ مُصمت اراه من خلال شاشة تفصلني عنه .
قضينا بعض الوقت أمام الصخرة .. ثم قررنا العودة للفندق للتحضر لزيارة مدينة “جِبيل او بيبلوس”.
هناك قمنا بالإتصال بشركة “ألو تاكسي” لحجز سيارة خاصة لنا، وعرفنا التكلفة وكل شيئ، كما عرفنا أن الانتظار لساعة واحدة مجاني وبعدها يتم حساب مبلغ على كل ساعة .. وبهذا طلبنا منهم ان يأتوا عند الفندق الساعة 11 صباحا …
وحتى قدوم السيارة قررنا تناول إفطارنا ، فإتجهنا لبوفيه الإفطار الموجود في الفندق.
وهناك في ذلك المكان الصغير الحميمي وعلى صوت “فيروز” – التي غدت أقرب لقلبي منذ سمعتها في بلدها ومن قلب الحدث – تأكدتْ اللحظة أننا الآن في لبنان وأنه ليس حلمًا .. وقتها أخبرت أختي، تُرى أين يمكن ان تفطري صباحا على صوت ملائكي كـ فيروز الا هنا في لبنان الحبيب …
كان افطاري لبنانيًا بسيط كما يجب أن يكون، ولكن الأهم هو كوب عصير الأناناس، كلما رأيت هذا العصير صباحًا أذهب إليه لا إراديا وابتسم له، وآخذ كوبي المُعتاد فأشعر بالامتنان لاختيارهم هذا النوع بالذات لانه يُشعرك بالانتعاش وأنّك مُقبل على لحظات مميزة بطعمه المُشِرق .. كأنني اتناول الشمس مع كل صباح.
وقبل الساعة 11 بدقائق بسيطة وصلتنا رسالة بـ بيانات السائق ورقم السيارة التي سنركبها، وبالفعل خرجنا من الفندق وجدنا أمامنا سيارة كبيرة Van.
وبدأنا رحلتنا لـ جبيل …
لقد كان السائق “ابو عادل” رجل لطيف للغاية .. ظل يتكلم معنا طوال الرحلة ويخبرنا عن الاماكن التي نمر عليها وهو من أخبرني أن “جبيل” تُدعى “بيبلوس” ايضًا
اخيرا وصلنا “جبيل” …. لقد خطفت قلبي بجمالها الباهر .. هناك المياه الزرقاء والسماء الصافية والخضرة في لوحة فنية بديعة .. لقد بُهرت لدرجة إنني لم ارغب في تصوير تلك اللحظات ..
أريد ان أراها بعيني أنا .. لا يوجد وقت اضيّعه في إلتقاط الصور .. مِللت من رؤية المناظر الجميلة من خلف الشاشات والأسطح .. أريد أن اغسل عيني بالجمال الصافي .. كل خليّة بداخل جسدي جائعة للجمال … إنّ هذا الجمال حقيقي .. لا أراه في الصور .. لا أراه في الأحلام .. لا أراه في البلاد البعيدة التي لا ازورها وشعوري الدائم أن تلك البلاد وجمالها لا يمكن الوصول إليهم.. أو فقط نرى صورهم ونفكر هل هي “فوتوشوب” أم فعلا هناك اماكن بهذا الجمال.
نزلت من السيارة استنشق الهواء الجميل .. لقد فتحتُ رئتي للهواء .. اريده أن اُدخله كله .. كإنني ارغب في الشهيق وان يُلغى الزفير من حياتي … لا توجد كلمات تُعبر عن كل هذا الجمال.
السماء كانت صافية بلا غيوم .. والشمس مشرقة بكل طاقتها .. نظرت للشمس في سعادة رغم إنني أعرف ماذا يعني هذا بالنسبة لبشرتي وأن الامر لن ينتهى على خير ابدًا .. ولكنها كانت جميلة .. مختلفة عن تلك الشمس القاتلة التي عرفتها من قبل .. “إن تلك الشمس تحمل حنانًا ودفء”
تحت تلك السماء الساطعة المميزة بدأنا بدخول القلعة بعد قطع التذاكر .. سألني موظف التذاكر هل أرغب في مُرشد معي؟، فأخبرته بـ”نعم” رغم أن كل شيئ سيكون مكتوب وواضح ولكني أردت أن اسمع قصص المدينة وذكرياتها ..
فأخبرني أن المُرشد سيكون بالداخل .. هذا “الداخل” استمر طويلاً وانشغلنا بالمشاهدة والتصوير ولم نُقابله ابدًا 😀
القلعة كانت تطل على الخضرة والبحر والآثار القديمة للمدينة … كان هناك متحفين داخل القلعة .. حيث وجدنا آثار لأكثر من حضارة هناك ( فرعونية – فينيقية – عثمانيين ..الخ) لم اتخيل إنها مرت بأكثر من عصر .. وكل منهم مُختلف تماما عن سابقه .. للاسف كان التصوير ممنوع داخل المتحف.
انهينا جولتنا في القلعة وقمنا بالتصوير “العمياني” لان الشمس كانت في وجهنا طوال الوقت وجعلت رؤية ما نُصوره شيئ مستحيل 😀 .. ولكن كما قالوا من قبل ان لبنان جميلة فلو اغمضت عينك وصوّرت ستكون صور باهرة الجمال.
خرجنا للأسواق القديمة التي تُقابل القلعة .. واشترينا تذكارات تعبر عن لبنان ولا تشبه أي شيئ آخر.
كان هناك متحف الشمع … في البداية فكرت في دخوله .. ولكن مشكلته انه كان قريب للغاية من مشهد بديع للبحر لذا كان من الصعب ان أختار بين الدخول لمكان مُغلق لمشاهدة أي شيئ وبين أن أترك هذا المشهد الجميل .. لذا تجوّلنا حول البحر والاشجار والخضرة بجانبه …
وظللنا نسير في الطُرقات المفروشة بالأزهار والأشجار ..
لقد رغبت أن أركب أحد المراكب التي كانت تصطف أمام المرسى .. ولكنها لم تكن تعمل نظرًا ان الامواج عالية ولقد خرجوا لتوّهم من عاصفة قوية. ( عادةً للأسف في الشتاء لا تعمل تلك المراكب).
انهينا جولتنا في المدينة خلال الساعة المجانية حيث كان السائق لطيف وتركنا نتأخر قليلاً بدون احتساب مبلغ إضافي… وانطلقنا لندخل بيروت مرة أخرى وتحديدًا على الكورنيش لنستقر في مطعم وكافيه Bay Rock .. يطل المطعم على صخرة الروشة تمامًا ..
داخل الكافيه اخترت الجزء الخارجي منه امام الصخرة .. طلبنا “بيتزا ماجريتا” وسلطة “باذنجان مع الزبادي” كانت عبارة عن باذنجان رومي..كان مقلي وفوقه تم وضع روب او زبادي مخفوق جيدًا ليصل للحالة السائلة ثم بعض الصنوبر وزيت الزيتون .. كان طبق جديد علينا ولم نذقه من قبل .. كان الطعام لذيذ.. دفعنا الحساب ومشينا حتى الفندق من طريق مُختصر قريب..
إرتحنا قليلاً، وقررنا قضاء المساء في مكان لطيف مع أصدقائنا.. فكان الإختيار مطعم “تاء مربوطة” في شارع الحمرا .. كان مُزدحم كونه كان يوم الجمعة، وهو اليوم الذي يسبق الأجازة الأسبوعية هناك.
بشكل ما استطعنا أن نجد طاولة ستفرغ بعد دقائق، فقط علينا الإنتظار عند البار الصغير في المدخل .. مظهر راقي لا تشعر فيه انك تقف فوق رأس الزبائن كإنك تريدهم ان “يغوروا بقى” لكي تجلس مكانهم.
انقضت دقائق الانتظار سريعًا ودخلنا لنجلس عند طاولة خشبية في المنتصف عندها كنبة اسفنجية وكان هناك كذلك كُرسيين ذو قاعدة من الخوص بدون ظهر او مساند .. .. الجو كله به لمسة من الأحياء القديمة ذات الجو الحميمي..
أعطونا قوائم الطعام لنختار ، فقررنا أننا سنطلب “مازات لبنانية” وهي اطباق تُعتبر من المُقبلات ولكنها متنوعة للغاية وكثيرة وأردنا أن تكون الطلبات متنوعة لتحكي لنا عن لبنان ..
لذا طلبنا (( ورق عنب + لفائف طويلة ورفيعة محشوة بالجبن + بطاطس مقلية + مكعبات بطاطس مطبوخة مع بقدونس والبهارات + سلطة فتوش + سلطة تبولة + كِبة مقلية + حمص مطحون باللحم المفروم ))
جاء الطعام على مرحلتين وبشكل سريع .. هكذا مرّت الأمسية الجميلة.. جامعةً بين الهدوء الحالم الذي يُدفء القلب وبين الشعور بالألفة والحنين .. تكلمنا وضحكنا .. تلك الامسية كانت بديعة بكل مافي الكلمة من معاني ….
إذا أردت أن أصف لبنان في لحظة .. سأقول إنها تلك الامُسية بكل ما فيها… ولكن للاسف كلماتي فقيرة للغاية ولا تستطيع ان تصف الأمر لكم وكم كان رائعًا …مميزًا .. يحمل عبقًا خاص.
أخيرا قررنا ان نترك المطعم قبل ان يضطروا لخلعنا من الطاولة بالكماشة من شدة ارتباطنا بها 😀
تمشّينا قليلاً … وكالعادة ذهبنا للكورنيش لتوديع هذا اليوم الجميل مع البحر، ومنه مشينا رجوعًا للفندق.
:::: لمتابعة بقية الرحلة .. يُرجى مراجعة التدوينات في هذا الـ Tag من هنــــــا ::::




Leave a Comment