::Photo credit goes to its owner::
في تلك الأيام الكحيلة (من السَوَاد) تنفتح الذكريات ويتزايد الحنين بداخلي ..
كنوع من التغيير بدل السوَاد اللى مالي المدونة، أكلمكم عن يوم من الأيام الحلوة في حياتي ..
سأحدثكم عن رحلتي أنا وأختي وصديقنا “باسم” لقطاع غزة، الجزء المُحرر وقتها منذ 12 عام.. تحديدا كان 14 سبتمبر 2005
كل ما بفتكرها بحسّ بنفس الشعور اللى وصفه زمان صديقي العزيز (أحمد عبد الله)، إنه لما هفتكر الرحلة دي هقف بزاوية 90 درجة في شموخ وثقة وفخر وأنا بحكي عنها.
عندما أرى أي صور للقطاع في الأخبار، أشعر بالحنين للتراب، للأماكن .. للساكنين هناك.
هناك note عندي بالموبيل بتاريخ الرحلة، لا أنسى في كل مرة أغيّر فيها هاتفي المحمول، أو أُعيده لتهيئة المصنع أن انقلها مع الأرقام المهمة.
رغم أنها كانت رحلة شاقة للغاية، عبارة عن 24 ساعة فقط لا غير، من فجر الأربعاء لفجر الخميس .. ولكنها كانت كافية بأن تقرن ذكرياتي بحبيبة القلب “فلسطين”
كانت حُلمًا بعيد المنال، لحظة جنون أردنا أن نخوضها بلا تفكير وتجهيزات أو تعقيدات .. كانت أخيرًا فرصة أن نرى فلسطين الحبيبة، التي لطالما عشقناها دون أن نراها..فقط سمعنا عنها، وظللنا نشتاق ونحلم بها.ليتسلل لنا رغمًا عنّا اليأس من صعوبة إن لم يكن استحالة ذلك لجيلنا بل واعتقادنا أنه ربما يُتاح ذلك لأجيال بعدنا..لذلك حينما حانت اللحظة لم نتردّد لثانية..مؤكد سنكون هناك !
إتهمنا الكثيرون بالجنون..وبأنه لا جدوى من ذلك ..وبأننا مُستهترين بحياتنا ولا نُقدّر عواقب الأمور
لكن الحقيقة أن الحلوة نادت ..وكان يجب أن نُلبّي النداء مهما تكلّف الأمر.
أي نعم كانت الزيارة لـ جزء صغير منها ولكنه أمل واثبات للّحظة وأنه يومًا ما سنزور أرضها كاملة.
من نِعم ربي، أنه رزقنا بـ“باسم” ليكون رفيقنا في تلك الرحلة وليس أحدًا آخر، فلقد كان رائعًا بكل معنى الكلمة، لقد كانت علاقتنا سلسة، عفوية ، لا يوجد الهطل بتاع “إنتي بنت فخليكي انتي وانا هعمل” ، ولا “عيب ومينفعش” والكلام المعتوه دا …
من اللحظة الأولى في الرحلة، وبدون كلام ولا شروط ولا توقعات، رغم علاقتنا السطحية ببعضنا في الوقت دا والتي لا تتعدى سوى بعض العبارات البسيطة، ولكننا بشكل ما كنا نستطيع وقتها التفاهم بأقل عدد ممكن من الكلمات.
عقولنا المتفتحة، وتقبل الآخرين كانا هما زادنا و زوّادنا في الرحلة دي…
بقوة سحرية ما تحوّل ثلاثتنا إلى أخوة من عائلة واحدة لدرجة إن في كل المواصلات التي كنّا نركبها كنا نجلس معا في نفس المكان بدون ترتيب مسبق .. أحدنا يدفع النقود بهدوء بدون ان نسأل من سيدفع وكم ادين لك وتلك الأمور.
كأن هناك سيناريو متفق عليه مسبقًا فيما بيننا .. “انه في الموقف كذا سيقوم فلان بعمل كذا”
نقودنا ومتعلقاتنا تداخلت في حقائب بعضنا البعض هكذا بسهولة.
العائلات التي قابلتنا كانت تعاملنا أننا من عائلة واحدة .. حتى عندما تأخرنا في العودة للسيارة قالت إحدى السيدات انتظروا الأخوة الذين كانوا جالسين بالخلف .. كانوا يقصدوننا نحن.
لم نعتد أنا وأختي ابتهال أن نشرب من نفس الزجاجة من بعد أحد .. ولكننا فعلناها بكل سهولة مع باسم
كان يُدرك أنني عطشى بدون أن أتكلم .. فتذهب ابتهال تلقائيًّا لتشتري شيئًا نأكله بينما يأتي لي هوَ بالماء فنشرب بالتبادل ثم نُكمل طريقنا بهدوء…أُسارع بشراء سجائره فوْر نفاذها ونحن في طريق العودة بينما نسيَ هوَ الأمر تمامًا
بكى ثلاثتنا وضحكنا من قلوبنا معًا، واصفرّت وجوهنا وامسكنا بأيدي بعضنا البعض من الخوف عندما سمعنا طلقات الرصاص.
جمال الرحلة كان في أشخاصها كمان مش بس في البلد .. وهفضل أتمنى صُحبة لطيفة زي دي مرة تانية.
البداية كانت عندما عرفنا بالصدفة البحتة عن فتح المعابر المصرية/الفلسطينية لمدة ثلاثة أيام فقط في مناطق قطاع غزة
وهم (رفح وغزة وخان يونس ) للإحتفال بتحرير القطاع من براثن اسرائيل…
أخبرتني بعفويّة صديقتي العريشية “مديحة” ان المُهلة المُتبقية لفتح المعبر هو يوم واحد تنتهي اليوم !.. المكالمة كانت في منتصف الليل .. كان عليّ التفكير سريعا..والسفر من القاهرة في الرابعة فجرًا إن أردت اللحاق بالمُهلة.
اتصالات كثيرة بأصدقائي لاقناعهم بالذهاب معنا .. ولكن كثيرين عائلاتهم تخوّفت من هذا القرار .. وهناك من منعته مشاغله .. فجأة قفز اسم “باسم” في رأسي وقلت أنه الوحيد الذي يمكن أن تلفِت نظره تلك الرحلة.
ليدخل “باسم” بالمصادفة على الماسنجر في تلك اللحظة تحديدًا ..أُخبره بالأمر .. يخبرني أنه مُفلس ولكنه سيحاول .. ثم فجأة قال لي سأتي لك حالاً .. الفتى جُن بالتأكيد .. إنه بالأسكندرية الآن .. ما المعجزة التي ستجعله يأتي للقاهرة بهذه السرعة؟
وهكذا ظللت أفكّر .. هل سنذهب فعلاً ؟ .. باسم لن يصل أبدًا في الميعاد .. ثم إنه لا يملك تليفون محمول … كيف سأعرف إنه في طريقه للقاهرة من الأساس ..؟
لتأتي الإجابة سريعًا مع اتصال منه من محطة القطار في “الأسكندرية” يخبرني فيه وهو يضحك فوْر سماعه كلمة ” ألو” منّي .. ” والنبي إنتوا عيال مجنونة، استنيني في رمسيس ” .
وبدأت رحلتنا من المترو في محطة “رمسيس” حتى محطة (المرج الجديد) وهناك خرجنا لموقف سيارات “العريش ورفح” للبحث عن واحدة تأخذنا إلى هناك… ولقد عثرنا على سيّارة بصعوبة بالغة حيث قام السائقين الجشعين بالتمركز في منطقة العريش ورفح، ومن كان يأتي منهم للقاهرة كان يُضاعف أجرة السيارة 5 أضعاف .. لذا تم القضاء على نصف ميزانيتنا في بداية الرحلة التي استغرقت 5 ساعات كاملة.
حينما كانت الشمس في كبد السماء وصلنا لرفح المصرية، ووجدنا أنفسنا أمام سور طوله تقريبًا متر وشوية، ولا توجد أي وسيلة للعبور إلى الناحية الأخرى إلاّ بتسلّق السور والقفز .. طبعًا الصدمة كانت كبيرة أوي لإننا عمرنا ما مارسنا هواية نط الأسوار في الصِغر .. جمع الواقفين بعض قوالب الطوب غير مُتساوي الأحجام مما كان متوفرًا أمامنا وبدأنا في القفز واحدًا تلوْ الآخر .. لنجد أنفسنا على الحدود الفلسطينية ..
رفح الفلسطينية ..
شعور غريب ..أخيرًا دخلت البلد اللى كان نفسي أشوف شبر منها قبل ما أموت .. كنت فرحانة وحزينة في نفس الوقت ..
شعورين مختلطين بشكل غريب ومش عارفة أوصفهم .. سعيدة بشكل لا يُوصف وبداخلي حزن عميق وأنا أنظر للحاجز الذى قفزنا من عليه .. هل أصبح دخولنا لفلسطين يقف في وجهه سور وجدار عازل !! شعرت أن السور يمثل الحاجز النفسي بيننا كبشر وليس مجرد حائط نقفز من عليه.
مشينا حوالى كيلو ونص في الشمس الحارقة حتى وصلنا للجدار العازل الكبير العالى والطوييييييييييييييييييييييل والحمد لله كان المُقاومين الشجعان قد أحدثوا فجوة في أحد أركانه لنتمكّن من العبور خلاله وعلى انقاضه ..ولمحنا بطرف نظرنا بقمة القهر وجود سلّم خشبي في الطرف عند السور اللي ادام الجدار العازل مباشرةً ..فقعدنا نندب حظنا العثر اللي خلى السواق الله يهديه ما ينزلّناش في منطقة فيها سلالم بدل أولمبياد أثينا في الوثب العالي اللي كنا فيه ده ! 😀
عند دخولنا تفاجأنا بكمية الدمار الذى خلّفه الإسرائيليين قبل مُغادرتهم .. الأرض كلها أنقاض والمباني مقصوفة ومتهدّمة ومليئة بالثقوب من الرصاص والقذائف، والمدينة بالكامل مُنهكة ومُتسنفذة من الحصار الذي طال، كم حزنت على ما آلت اليه المنطقة بعد الإجلاء .. كانت الساعة 2 وشوية ظهرا لما وصلنا.
رأينا خلال سيْرنا على الحدود كمية مهولة من الفلسطينية يحملون صناديق مليانة سكر وصابون وجبن وسجائر وكل شيئ تقريبًا ، بعد التجويع الذي عانوه لفترة طويلة، وعدم توافر هذه البضائع هناك بالسعر المناسب للمواطن الفلسطيني، لذلك سارعوا مستغلّين فترة فتح المعبر وانخفاض الأسعار لدينا.
فضلنا نمشى ندوّر على أي سيارة تاخدنا لـ خان يونس ولـ غزة .. ولكن الأسعار كانت فلكية، قضّيناها مشى واتفرجنا على البلد على رجلينا .. شوفنا الشعارات اللى اتكتبت على الحيطان والبيوت :
” أسرة شعث تهنئ ابنها العريس وبالرفاء والبنين “..
” 1000 مبرووووك للعروسين “
“مقاتلون حتى النصر ..حركة حماس”
وتفاجأنا أن بعض العبارات المكتوبة لم تكن باللون الأحمر..بل هوَ دم حقيقي !
ألطف شيء إنهم كانوا فاكرينا فلسطينيين ^__^ ، يمكن بسبب اختلاف استايل لبسنا عن المُعتاد في المصريين، ولهجتنا اللي فيها مزيج من كل حاجة ومصريّتنا المكسّرة 😀 .
لدرجة أنهم كانوا يقولون لنا بتأثر : “ليش تاركين بلدكم فلسطين ورايحين على مصر؟ “
(^0^) ♥
وصلنا لوسط البلد لنتفاجأ بصوت إطلاق أعيرة نارية، ومن بعيد ظهرت عربيتين محملتين بشباب مُلثّمين ماسكين بنادق تطلق الرصاص الحى ..
وشنا بقى شبه الليمونة ودقات قلوبنا تسارعت ومسموعة لحد البلد اللي جنبينا! ..نطينا في قفزة واحده على الرصيف واحنا بنبص على العربيات وكل واحد بيحاول يفكر إن إيه منظره أنه مات فطييس كدا بدون فايدة ولا أي لزمة، ولكننا اكتشفنا انهم كانوا بيحتفلوا بس :D، بس كان احتفالهم تقيل حبّتين >>> يجطع الحماس وسنينه 😀
وبعد نشفان الريق دة..كنا هنموت من العطش سألنا في المحلات على قهوة فنظروا لنا شذرا لأنهم باين مفهموش يعنى ايه قهوة لإختلاف اللهجات .. ابتهال راحت قايلة لهم “ أي حاجة نقعد فيها ونشرب شاي “
مشينا على حسب الوصفة لقينا دكان صغنن خالص وفيه 3 أو 4 كراسي بالعدد، صغيرة اوى كدا مش زي عندنا في مصر .. فمكانش فيه مكان ففضلنا ندور على اماكن تانية واخيرا وصلنا لمطعم .. صاحب المطعم شافنا صعبنا عليه باين .. فدخّلنا على المكان اللى فيه مروحة وتليفزيون .
كنا خلصانيين وتعبانيين على الآخر، الوقت كان يكفى بس ناكل ونخرج علشان نلحق قبل اغلاق المعبر .. سألنا الراجل عندك ايه .. فتوقعنا انه عنده حاجات نختار منها بس اكتشفنا ان مفيش غير كباب – اللى هو كفتة في مصر – قلنا ما علينا .. فطلبنا طبقين علشان يبقى معانا فلوس نرجع بيها.
الجرسون جاب لنا بعد نص ساعة 2 طبق طحينة وطبق مخلل وأرغفة خبز وسبنا ومشى .. قلنا خير المقبلات جت يبقى شوية والأكل جاي… نستنى ربع ساعة .. نص ساعة .. ساعة .. مفيش اي حاجة جت.
شكّينا يكون الراجل مات.. أو قفلوا المحل.. أو اللى أدّامنا دا كباب وإحنا منعرفش وصاحب المحل أدرى 😀
فقضينا الساعة وربع في أكل الخبز الحاف والتحليه بالطحينة والمخلل، وفييييييييييييييييييييييييييييييين وفييييييييييييين ربنا نفخ في صورة الراجل الحمد لله وافتكر ان خير اللهم اجعله خير يارب .. ان في تلاتة بنى ادمين ماتوا واتحنطوا جوه وانهم كانوا طالبين اكل من ساعة وشوية باين 😀
فجأة لقيناه داخل وبراءة الأطفال في عينيه ومعاه طبق واحد حطّه قصادنا ومشي .. باسم راح قاله ” ياريت شوية عيش بدل اللى اتاكلوا حاف دول لو سمحت”
وشوية ولقينا الراجل داخل تاني وفي إيده طبق غريب الشكل وقالنا ” دا بيفتح النفوس “ صراحة هو ريحته لا تفتح النفوس ولا تفتح الشباك حتى .. وكان شكله غريب كان عبارة عن مية حمرا وفيها بذر الطماطم وشوية بتنجان مقطع وطعمه مش عايزة اوصفة الصراحة 😀
الساعة بقت 5 الا ربع وكان لازم نمشى بسرعة علشان نلحق لأن المعبر سيُغلق الساعة 6 ..حاسبنا المحل بالمصري واتفاجئنا ان الراجل بيرجّعلنا الباقي جزء شيكل وجزء مصري .
دوّرنا تاني على عربية توصّلنا المعبر بس كله مش معبّرنا أو طالب مبلغ كبير.. أخيرًا الحمد لله ربنا رزقنا بسيّارة وطلبنا منها توصلنا للمعبر عند أقرب بوابة لأن مبقاش فينا رجلين نمشي تاني .. بالفعل وصلنا عند بوابة ” صلاح الدين ” وكان أول مرة نشوف البوابة دى لاننا دخلنا فلسطين من حته تانية خالص.
مشينا شوية لحد ما وصلنا للجدار العازل وعبرناه للوصول للسور الحدودي، وكان هناك وقتها زحمة مش معقولة لأن الوقت قرّب جدًا للإغلاق وكان كلّه عايز يلحق يدخل رفح المصرية .. لقينا عساكر وضباط الحدود واقفين عند الطرف التانى من السور اللى موجود في رفح المصرية وقافلين المنطقة تمامًا، ومحاوطين السور بالاسلاك الشائكة بحيث لا تجد سوى منطقة واحده فقط لنقفز من خلالها لنمرّ أمام الجنود أولاً ثم تدخل للمدينة ..
لم تكن هناك هذه المرّة أي أحجار تساعدنا على القفز .. وكانت المأساة أن الأرض المصرية منخفضة جدًا على عكس الأرض الفلسطينية وكانت المسافة الضعف، كأنك بتقفز من الطابق الثالث مثلاً .. كان الموضوع مُرعب للغاية .
قفز “باسم “ في البداية ونجح في الوصول بدون إصابات، وعانيت أنا في القفز بسبب الشد العضلي الذي أصاب قدمي ولكن بعض البدويات في القطاع المصري ساعدنني بإحضار كرسي لتقليل المسافة للأرض ولحماية قدمي من الكسر رغم اعتراض ومنع الجنود لهنّ.. بس كانوا سيدات قويات ورائعات.
والوقت خلاص مفيش غير أقل من ربع ساعة ويقفلوا المعبر ..كنا محتاسين على الآخر .. حاولت ابتهال القفز ولكن الأمر كان صعب، “باسم” حاول يطلب المساعده من الجنود المصرية .. فبصوا له بغباء كدا وقالوا له ” ملناش دعوة .. اتصرف إنت ” !!!!!!
كنا في موقف لا نُحسد عليه .. رأيت “باسم” شاحب تمامًا عندما بدأ الجنود في غلق المعبر وأختي لم تعبر القطاع المصري بعد وخائفة من المسافة العالية التي تعني انها قد تتعرض للكسر لو قفزت.
فجأة نظرت و باسم لبعضنا البعض ووجدنا أنفسنا نفكر في نفس الوقت كيف سنرجع للقطاع الفلسطيني طالما هي لا تستطيع النزول لنا ؟.
لم يعد هناك مفر من القفز فأخيرًا قفزت .. وأخيرًا أصبح ثلاثتنا في القطاع المصري مرة أخرى.
كنا مهزوزين من الرعب .. من صوت الطلقات .. من المروحيّات الأباتشي الإسرائيليّة التي تحوم بإصرار سخيف فوق رؤوسنا لتتأكد من عمليّة الإغلاق.. من الموقف ككُل .. من تعامل الجنود الشنيع مع الجانبين الفلسطيني والمصري .. لم نتكلم .. كل منا سار في طريقه يحاول ان يتمالك نفسه .. فجأة وجدته يصرخ على ابتهال ويخبرها أن :
” يا حمارة” ثم وكزها على رأسها بيديه .. لقد فعل ما كنتُ سأفعله بالضبط.
لقد ركبنا السيارة ونحن نُغالب دموعنا .. لا نريد لأي منا أن يرى دموع الآخر.
لقد تم استنفاذنا عاطفيا وقتها بشدة .. لدرجة إننا انفصلنا في المقاعد وقت الرجوع ليتمالك كل منا نفسه على إنفراد.
ولكن كانت تحين كل فترة إلتفاتة لكل منا للآخر لنطمئن أن كل شيئ على ما يرام
المحلات كانت فاضية تمامًا بعد ما كانت مليانة الصبح والطريق مزدحم بالبشر بخلفيّة من صراخ الجنود فينا لكي نرحل، وصوت بكاء الناس عند الفراق…
كانت هناك سيدة وابنتها، وزوج السيدة يودعها ويُقبّل الصغيرة ويُلوّح لهم والسيارة تتحرك، وهو لسّة ماسك في إيديهم من خلال النافذة .. وكأن أرواحهم تُتنزع..السيدة وبنتها كانوا رايحين العريش والزوج حيفضل في فلسطين .. كان مشهد مؤثر جدًا لا يمكن وصفه أبدًا.
وصلنا العريش ومنها ركبنا للقاهرة .. طوال الطريق وقفنا في أكتر من 7 نقاط تفتيش، وكل نقطة تفتيش نقعد بالربع ساعة علشان يشوفوا البطاقات الشخصية أو جواز السفر ما عدا اخر نقطة تفتيش دي قعدنا فيها أطول لانها نقطة تفتيش السيارات .. طبعا المعاملة كانت 5 نجوم مايتحكيش عليها ! -__-
الجميع كان نائم في السيارة إلاّ أنا .. كالعادة عجزت عن النوم ..ولكن من شدة الارهاق غفوت للحظة..
ليستيقظ ثلاثنا فجأة في نفس اللحظة على صوت المذياع وقناة ” نجوم اف ام “ ومذيعها المُتحمّس يخبرنا بسماجة أن
” صحصح اللذيذ اللى جوّاك” فنظرنا لبعضنا البعض في عدم فِهم و بعيون مرهقة ناعسة حمراء ثم إنفجرنا ضاحكين …
استطعنا بعد أن هدأت أعصابنا قليلاً أن نأكل شيئًا بسيطًا
وتركنا السيارة في أحد الإستراحات لنجلس “نرغي” قليلاً عن رفاقنا في منتديات شبكة روايات التفاعلية، ثم اكتشفت بالمُصادفة أن تلك الإستراحة بها حمام يحوي صابون وماء – وهذا كان شيئ نادر لم نقابله طوال الرحلة – فأقنعتهم بشدة ان يدخلوه فقط ليشاهدوا الصابون هههههههههه 😀
عددنا نقودنا لنكتشف أنها لن تكفي أبدًا لرجوعنا منفردين ..
المترو اغلق أبوابه ونحن الآن اقرب للفجر ومنطقة المرج صامتة كـ قبر ..
باسم يجب أن يعود للأسكندرية وأنا وابتهال نعود لمسكننا في القاهرة
وصلنا القاهرة الساعة 1 ونص صباحًا وطبعا لا يوجد أي شخص عاقل يريد أن يتوقف ليقلّنا.
ولكن الحمدلله وجدنا تاكسي بأعجوبة واتفقنا معه على مبلغ صغير يوصلنا به لمنزلنا أولاً.
وهو في طريقه كاد التاكسي يدخل بنا عن طريق الخطأ لطريق الاسكندرية لولا أنني وباسم صرخنا فيه ان انتبه … هذا معناه اننا سنبيت في الشارع بالتأكيد.
وقد نظر لنا السائق بقرف راغبًا في إنه يُلقينا خارج السيارة حينما كنّا نعد ” الشيكل” – عملة الكيان الصهوني المفروضة على الفلسطينيين للتعامل بها –
ونتبادله فيما بيننا لذكرى عن تلك الرحلة 😀
دروس مستفادة 😀
– تغيير العملة للشيكل من على المعبر من السوق غير الرسمية أفضل مليون مرة.
– إثبات الشخصية أهم منك أنت شخصيًا والا ستبيت ليلتك في السجن.
– يجب إرتداء ملابس كاجوال أو رياضية لأنها كانت رحلة مرمطة ..
– الاحتفاظ بشوية رمل من فلسطين، لإنني من كتر الإنشكاح معملتش كدة للأسف.
عندما رجعت للبيت ظللت مستيقظة كمُصيبة لمدة يومين كاملين .. بينما ابتهال نامت كمدًا
لأكتشف أن “باسم ” قد جُن هو الآخر وظل يومين بدون نوم مثلي، بل قضاهما ذهابًا وإيابًا بين الأسكندرية والقاهرة أكثر من مرة 😀
مازلنا نحتفظ بالشيكلات .. ونحتفظ ببعض الصور التي ظلت في كاميرا “باسم .”.
لكن الحقيقة أنني مازلت أحفظ كل التفاصيل في قلبي
لقد رأيت فلسطين الجميلة .. شعبها رائع .. وأرضها رغم أنها تشبه الأراضي المصرية كثيرًا لدرجة أننا كنّا نمزح بأن من سيرى الصور سيظن انها في “شُبرا” وليس غزة 😀
ولكن البلد لها رائحة مختلفة .. ظلّت في قلبي حتى اللحظة ..
عندما عُدت من هناك كأن هوائها قد حوّلني لإنسانة أخرى .. فجأة أصبحت أتعامل بشكل أفضل وأقوى .. لم أعد أشعر بالخجل الإجتماعي الذي أشعر به عادة … لم اخشَ القفز متخطية حواجز في الشوارع … لقد تجدّدت روحي من مجرد 24 ساعة فقط.
عندما ارى قطاع غزة في التلفاز .. أعرفه على الفوْر.. أُخبر من حولي أنني كنت هناك يومًا
ولقد تركت جزءً منّي هناك ♥




Leave a Comment