في السابعة صباحًا وصلتُ أخيرًا للمكان، بعد توَهان معتبر في المنطقة .. ولكن أخيرًا وصلت وكنت قويّة كفاية ألاّ أقوم بإلغاء الميعاد والعودة للبيت وخاصة إنني مستيقظة عند الفجر …
فتحت لي المُدربة الباب، ولكن هذه المرة لم تستقبلني وحدها … بل كان بجانبها كلب أسود اللون، بل للدقة كانت كلبة … وجِلت للحظة
فبشكل ما أعاني منذ سنة من رُهاب من كل شيئ تقريبًا، لذا فكان وجود الكلبة أمامي موتّرًا للغاية ..
ولكني كالعادة، أخبرت المدربة أنه لا مشاكل .. طالما لن نتعامل سويًا .. بدّلت ملابسي ودخلت غرفة التدريب لأبدأ حركات اليوجا التي تعلّمتها بالأمس ولكن تلك الكلبة ظلت تمشي بطول الغرفة وعرضها وتشاهد وتتابع معنا التدريبات .. كنت أحاول تناسي وجودها طالما أنا في حالي على الحصيرة الخاصة بي.
كنت أتابعها وهي تسير بين المُتدربات وتذكرت، وأنا التي لم أنسَ .. ذكرياتي مع الكلاب .. كيف أن عائلتي ربّوا في الرعب من الكلاب بعد تحذيري من العض، فهو معناه أن أصير مسعورة أو يُسارعوا في نقلي للمستشفى مع أخد 21 حقنة في البطن .. ويالها من تصوّرات مُبهجة لطفلة وخاصة أن الشوارع المصرية تقريبًا لا تخلو من كلب يائس ينبح في كل لحظة ويريد “هبرك/ الانقضاض عليك” في أقرب فرصة.
وكيف أنه بعد عمر طويل قابلت أجمل كلبة بيضاء في العالم، في لبنان … كأنه لكي أُشفى كان مُقدرًّا لي أن أقابلها، وأن نحب بعضنا البعض من النظرة الأولى .. فرغم حجمها الكبير مع شخص يخاف من الكلاب التي بحجم كف اليد، فكان من المتوقع ألا ننسجم ولكن هذا لم يحدث ..
فلقد أحببتها من كل قلبي، لقد كانت ملاكًا أبيض لامس قلبي وشفاني .. ليس فقط من الخوف من الكلاب .. بل ألقت عليّ تعويذة جعلتني أستطيع تقبّل كل الحيوانات وأن أتحمّل القرب منهم، بل أن أُناديهم في الشارع بدلاً من الهرب منهم … وكأنها أدارت زر المحبة داخلي .. فكانت محبّة خالصة غير مشروطة قدمناها لبعضنا البعض .. وحفرت اسمها في قلبي وصورتها في ذاكرتي.
ولكن مع مرور سنتين من لقائها وتركها هناك في لبنان، عدت لتكملة تطليع عفاريتي النفسية .. ولأن التطهير ليس بتلك السهولة .. فالآن أنا أعاني من الرُهاب وكأن خوفي من الكلاب رجع بقوة ليشمل كل شييء حولي.
وها أنا الآن يزورني ملاك آخر.. كلبة أيضًا – هذا ليس تحيّزًا لجنسي ولكنهن رائعات –
هذا الملاك الأسود، كانت بعيون بريئة مُحبّبة للنفس، يمكنك أن تقضي عمرًا تنظر إليها .. لا تنبح وهذا يجعل قربها مني أبسط وأقل وطأة على قلبي الخائف .. كانت هي، الكلبة الجميلة التي تركتها في لبنان .. حتى قاربت لنفس الحجم تقريبًا.. وبشكل ما كأننا نتقابل سويًا مرة أخرى بعد سنين.
لقد تعرّفتني فور دخولي .. سارت بجانبي هادئة .. وعندما فردت حصيرتي جاءت ونامت عليها .. فكنت اطلب منها أن تترك لي مساحة أن أتدرّب قليلاً فقط .. فتنظر لي في ود وتتحرك قليلاً لتصل لآخر الحصيرة وتجلس بجانبي …
عندما أتمدّد على الأرض في وضع النوم .. تأتي لتتمدّد بجانبي تمامًا .. وعندما تطلّب التمرين الاسترخاء وأن اغلق عيني، وجِلت عندما شعرت بجسم يلمس قدمي مُزيحة إيّاها قليلاً لكي تجد لنفسها مكانًا تجلس فيه بين ساقيّ .. وعندما شعرت بمشاعر مختلطة نتيجة التدريب وكنت أريد أن ابكي، ذهبت بعيدًا للجلوس وتناول الفاكهة لكي أستعيد قوتي مرة أخرى، جاءت هي لي وأخذت تشمشم حقيبتي والأكل الذي أتناوله … أخبرتني المُدربة أنها أحبتني لذا لا تقرب أحدًا غيري ..
دمعت عيوني تأثرًا .. فأنا يا ملاك بحاجة لوجودك بشكل ما رغم توتري، فلقد أصابني العطب .. وقلبي محروق .. روحي ليست على ما يُرام وكارهة لكل شيء حولي .. إنني متعبة للغاية .. هل يمكنك أن تشفيني مرة أخرى؟ .. هذه المرة ستطول فترة الشفاء ولن تكون سحرية كالسابق فأعذريني .. فلقد انفتحت جروحي وحتى اللحظات السحرية يمكنها أن تستغرق بعض الوقت مع من هم مثلي الآن.
وللصدفة تكون هي أيضا لديها “ترامات” .. فقد تكون جروحنا هي من جمعتنا وجعلتني نتآلف.
فجأة تتملّكني رغبة أن أتشجع وآخذ قرار قاطع الآن وفورًا وأن أتبنى كلبة .. ولكن عقلي يخبرني أنه “اتلهي .. هو إنتي عارفة تعيشي أصلاً وتربي نفسك علشان تعيشي كائن جميل زي دا معاكي؟” .. انه يجب أن تنتظري أن تكوني بخير وقادرة على التعامل والإهتمام بكائن حي، تقرئي عن كيفية التربية لكي لا تسبّبي لهم مشاكل.
ولكن جزء آخر من عقلي يُذكّرني بتلك القصص التي اقتنى أحدهم حيوان فتماست حياتهم سويًا .. وأصبح للسحر والحنان والمحبة منزل يجمعهم سويًا ..
أتمنى حقًا أن أتمكن من ايجاد كلبة تعيش معي حياتي .. أشتاق لهذا الشعور.




عجبني جدا حسيته
(^0^)
شكرا لمروركم الكريم .. فعلا أسعدني جدا