فوجئت برسالة على هاتفي المحمول من صديقة قديمة لم نتبادل الرسائل أو الاتصالات على هذا الهاتف منذ قرون تقريبًا 😀
ولكنّي وجدت رسالةً تحمل اسمها تخبرني بسعادة أنها نجحت في امتحانات القبول للدراسات العُليا..
لقد سعدت للغاية بهذا الخبر، ليس فقط لأنها نجحت في الامتحانات التي بالتأكيد لم تكن سهلة، وليس فقط كونْها شجاعة وقوية لأنها تُكمل تحضيرات الماجستير في وقت توقّف فيه معظمنا، ولم يعُد لدينا الرغبة في استكمال المشوار الدراسي في أي مجال بعدما أُصبنا بإحباط دراسي خلال سنوات التعاسة لكي ننهي شهادتنا الجامعية في كليّات وتخصصات لم نرغب بها بتاتًا، ولكن كان يجب علينا إنهاؤها لكي يستريح المجتمع العقيم الذي نعيش فيه شاعرًا بالرضا أن الجميع يمشي على نفس الخطوات المرسومة لا يحيد عنها !.
ولكن سعادتي كانت في وصول الرسالة لي من الأساس .. ففي تلك اللحظة التي شعرتْ فيها بالسعادة وأنها ترغب في أن تُخبر أحدًا بهذا الخبر، بشكل ما خطرت على بالها فقررت أن تفعلها وأن تجعلني أنال كرم مشاركتها لحظةً كتلك.
لقد تذكّرت فورًا موقف مشابه لي .. حيثُ أرى نفسي أقف أمام مكتب شئون الطلبة في لا مبالاة اسأل عن نتيجة امتحانات منتصف العام لعامي الثالث في تلك الجامعة البعيدة .. احرك رأسي يمينًا ويسار بملل حتى تنتهي الموظفة من الكشف على اسمي والتأكد من نتيجتي والتي كنت أعرفها ضمنًا، بالتأكيد هناك رسوب في مادة ما ككل عام بدون سبب واضح لهذا الرسوب رغم مذاكرتي وحل الاسئلة .. ولكن منذ متى كان الأمر منطقيًا في الجامعات المصرية؟ ، فدائمًا هناك ذلك الدكتور الذي يرغب في تحطيم الطلاب بدون سبب لمجرد إنه مستيقظ “كاره لحياته على الصبح” …
الساحات أمامي واسعة .. الأراضي غير المُمهدة والتي لم يطلُها البنيان تحيط بالجامعة من كل مكان تقريبًا .. وفجأة أنتبه على صوت الموظفة التي تخبرني بملل “لقد نجحتي صافي” .. نظرت لها في عدم استيعاب .. وأخذتُ أوراقي ورحلت غير مُصدقة الخبر.
لقد أردتُ أن أشارك أحدًا تلك اللحظة ..أردتُ أن أخبر أي أحد ممَن أعرفهم إنني قد نجحت .. أريد أن اخبرهم عن شعوري بالذهول .. عن تعبي وإرهاقي وقت الإمتحانات الذي تكللّ أخيرًا، مُمتزجًا بالكثير من الدعوات لله أن يأتي اليوم الذي أراني ناجحة فيه بدون مواد مُتراكمة سابقة .. أردت أن أحس إبتسامة الطرف الأخر، أن أسمع ضحكات السعادة وكلمات التهنئة من قلب مُهتم .. أردت الإهتمام .. أردتُ أن اشعر إنني لست وحيدة .. أردت ملايين الأشياء وملأتني ملايين المشاعر .. ولكنني لم أجد أحدًا معي ..
لأُخرج هاتفي المحمول وأبحث بين الاسماء الكثيرة، عن اسم واحد على الأقل أشاركه تلك اللحظة فلم أجد .. في هكذا وقت يمكنني أن أعرف جيدًا إنني وحيدة .. وحيدة تمامًا رغم تلك الحالة التي أضع فيها نفسي محيطةً نفسي باسماء، مجرد اسماء أعرف جيدًا أنني لن أجد أصحابها في الوقت المطلوب.
لذا فرسالة صديقتي كانت كقطرات الماء التي تنهمر على أرض جافة، شعور طاغي بالجوع لهكذا شعور ..
وقفتْ من الحماس وأمسكت هاتفي المحمول، وحاولت أن اكتب لها ردًا يُخبرها ببعض القليل الذي بداخلي الآن .. الصندوق الصغير للرسائل القصيرة لا يستطيع أن يحوي مشاعري تلك .. فأرسَل دفقة واحدة فقط على رسالتين .. حينها قرّرت أن أتصل بها لكي أغرقها بباقي الدفقات المشاعرية .. اتصال منّي فشلتْ في استقباله، ثم رد اتصال منها فشلتُ في استقباله لنصل أخيرًا أن أسمع صوتها .. وكالعادة كنتُ رغمًا عنّي كتمثال أغريقي لا يستطيع التعبير عمّا بداخله .. ولكنّي حاولت بكل طاقتي أن أرسل لها صوتي السعيد والمُمتن لها … أنهيْنا الاتصال وبداخلي شعور بالإمتنان لا يُوصف …
كأن المشهد يُعيد نفسه .. ولكن هذه المرة كان هناك اسم من الاسماء قررتْ معه أن تُشعره بالامتنان أنها اختارته في تلك اللحظة …




Leave a Comment