على بُعد مسافة من بنايتنا لاحت أضواء سيارات الشرطة والإسعاف ..
قد يكون هناك من أُلقيَ من النافذة كما حدث سابقا .. دائما هم يشكوا أولا إنها جريمة قتل، وأنا اشك اولا في كونه انتحار …
الحياة أصبحت قاسية للغاية على الجميع وخاصة من يعيشون في بلاد غير بلدهم.
لا يوجد فرق .. ولكن أن تسافر وتستدين الأموال لكي تحاول أن تُوجد لنفسك حياة وفي النهاية تكون المُحصلة هي نفسها فإنك تشعر حينها باليأس..
يخبرنا أحدهم في حماس ” طيب ارجعوا بلدكم طالما هيه هيه“
أقوله “اتلهي” لو سمحت وخليك في حالك .. لو كانت الأمور دائما سهلة كان من الأفضل الا يجبرني الزمن أن أجلس مع شخص عظيم الحكمة مثلك لكي يخبرني إنه لماذا ياتُرى أرغب في تعذيب نفسي خارج بلادي.
الا يعرفون أن من ينتحر في الحقيقة يرغب في الذهاب للسماء لإنه ملّ الأرض بوجعها الذي لم يعد قلبه و روحه يقويان على إحتماله، ولكنه لكي يصل لهناك عليه أن يرتطم بالعذاب لمرة أخيرة، فينتهي كل هذا بعد رحلة قصيرة يستغرقها جسده في الهواء حتى الإرتطام بالأرض.
سيارة الإسعاف أصبحت مُقبضة بالنسبة لي بعدما كنا نحن أحد رُكابها من أشهر قليلة … عندما ظننا إن الليلة ستستمر للأبد .. وأنها ستبتلعنا … لقد كانت ليلة باردة في الطوارئ وأنا أرى في عيونهم نظرة الغدر .. وادعو الله ان يُنجينا منهم ..
كانت عيوننا تأبى البكاء لأننا يجب أن نحل كل شيئ .. لا يوجد أحد يمكنه ان يعالج الأمور سوانا كالعادة .. يجب أن نُكمل دورنا كما نفعل دائما .. أن نتقمص كل الأدوار المُمكنة لكي نعبر بهم للشط المُقابل، بينما نحن في كل مرة من نحتاج إلى من يُطمئنا ولا يغدر بنا، نرغب أن نجرب شعور أن نعبر خفافًا بلا أثقال، لا نريد أن يحملونا، فقط ليحملوا أنفسهم ويتركونا نتلمّس طريقنا وسط العاصفة.
كنت اتحسس جيبي هل ياترى معي ما يكفي لتكلفة سيارة الإسعاف وتكاليف المُستشفى.. كنت خائفة الا أجد النقود الكافية ..
عندما أخبرني السائق أن خدمة الإسعاف هذه مجانية من الحكومة، شعرت بالامتنان لله إنه جعل الأمور تتطور بشكل ما لتصل أن نحصل على هذا الدعم المجاني، كون تكلفة سيارة الاسعاف هنا باهظة للغاية.
سيارة الاسعاف هنا لا تصدر صوت .. كإنها الموت يمشي بثبات ويعرف طريقه جيدا.
الدموع التي لم اذرفها يوم نقل أمي في سيارة الاسعاف الزرقاء والبيضاء تلك .. أصبحت اذرفها في كل مرة اصادف فيها السيارة بالشارع .. وكأني أرى من بداخلها وأتوحد معهم فأعيش التجربة من جديد ، كيف يشعرون.. بماذا يفكرون .. وكيف تمر الدقائق بثِقل السنين فيظنوا ان الوقت لن يمر أبدًا .. وكيف يتحسسون جيوبهم خوفا ان يكون الموت اغلى من قدرتهم المادية.




Leave a Comment