::Photo credit goes to its owner::
في السابق كنت احتفظ تقريبًا بكل شيئ أحبه بلا استثناء ..
كنت اضعهم بترتيب بجانب بعضهم البعض في درفتي التي تحولت لما يُشبه صندوق الدنيا من كثرة وتنوّع الأشياء فيه ، لأجل ذاك “اليوم” المُنتظر، ووقتها فقط سأستخدم كل تلك الأشياء، وأتذوق طعم حلاوتها ودفئها وهي تمس روحي في المحيط والحياة التي أريدها ..
فـ بيْن المرارة والكراهية والخوف من الصعب أن تجد لهذه الأشياء طعم ..
كنت أحفظهم بعناية بشكل أوتوماتيكي حتى تفاجـأت بنفسي وأنا أحدّثها: “سأضعكم هنا في درفتي حتى يحين الوقت حينما نذهب للعالم الآخر”.
صُدمت .. ما هو العالم الآخر؟
هل هو الموت؟ لا ، لا .. فمن الصعب أن أصطحب كل تلك الأشياء معي في القبر ثم أجُرّها معي ونحن ذاهبين لله في حشود، لأقف أمامه ومعي الدباديب والصور والحلوى التي تتساقط مني لأن ذراعيّ صغيرين ولا يسعان كل تلك الأشياء التي خزّنتها لسنوات طويلة ..
إذن أي عالم آخر أقصد يا تُرى؟!! لقد جعلتني تلك الكلمات في حالة صدمة وذهول شلّت تفكيري ..
لأستيقظ بعدها بشهور على تحطم إطار لطيف للصور على شكل “سلحوفة” أهدته لي صديقتي الحبيبة ولم استخدمه في حياتي ، هكذا فجأة انزلق من مكانه وأنا اضع شيئًا جديد في الدرفة ..سقط أمام عيني بسرعة وتحطم .. وبعدها توالى تحطّم الأشياء التي كنت اظن أنها في أمان حتى “حياةٍ أخرى” سأعيشها ..
يومها لم اعد أحتفظ بشيئ .. وساعدني في هذا هربي لدولة أخرى بدون زادي وحياتي المُعبّئة في أكياس وحقائب ..
لم أعد أهتم أن أملك حقائب جديدة لتخزين أحلامي .. فلقد أُرغمت على ترك حقائب حياتي مشاعًا في مصر
مرّت السنوات وها أنا في لبنان .. خطوة كبيرة خارج زمني البارد .. اقتنصتُها اقتناصًا..
خطوة جديدة .. بلد جديدة .. إكتشفت إنني لم أفقد أجنحتي، نزعت عنها الأكياس السوداء التي كانت تُخفيها ، فسريعًا كانت الرفرفة الأولى مُزيلةً تلّ الأتربة التي عَلتها…. لم أكن خائفة
كنت أحاول عدم إثارة الريبة عندما يجدوني أرفرف هنا وهناك لذا حاولت أن اسير في وقار .. تلك الإجراءات الكثيرة والوقت الطويل لا يناسبوا الطيور … ثم إن تلك الطائرة بطيئة للغاية يمكنني أن اطير أسرع منها.
كنت أرى الدفء هناك ينتظرني مُرحّبًا وفاتحًا ذراعيه لي .. مُتقبّلني كما أنا ..
بخوفي وخجلي وخطواتي الطفولية نحو طريق طويلة لأجد نفسي .. وأن أكون أقوى لأجمع قطع البازل التي فقدتها ، وأن أجدّ في البحث عن أخرى جديدة ..
وقتها فكرت ماذا يمكنني أن أهدي صديقي بعد 5 سنوات لم أرَه فيها ؟..
كانت تتنازعني فكرة إنها قد تكون الزيارة الوحيدة لي فبعدها سيسافر بعيدًا ولن أستطيع رؤيته بسهولة .. أريده أن يتذكرني ..
يبدو أنني أخاف من الفقد وأن يتم نسيان تلك الفتاة التي حاولت لسنوات أن تعيش كإنسان طبيعي يملك أشخاص في الحياة سيتذكّروه يوما ما، فلا يتساوى وجوده مع عدمه ….
أم تُرى لديْ ذلك الخوف :
” أن يمرّوا على الطريق فلا يكون لي أثار اقدام تقول ، أنها مرّت من هنا”
ولكن وسط تلك الأفكار كرهت فكرة الأشياء التي نحتفظ بها بإستماتة .. فنحزن أنها كُسرت وأننا فقدناها في ظروف غامضة ..
لا أريد أحزان .. لا أريد قلق .. بل أريد هدية .. أريد أن أهديه ما أحمله في قلب تلك الفتاة التي لا أظهره لأحد.
فإخترت “الحياة” .. الحياة التي أحبّها واتمناها .. الحياة البسيطة الخالية من التعقيدات ..
“ملمس ، رائحة ، طعم” عندما تستطيع حواسنا ان تخبرنا بكل ثقة أننا أحياء.
لـ ظروف قاهرة لم يستطيعوا وقتها أن يفتحوا “صندوق الحياة” وأن يضيفوا إليه من سحرهم .. فقد تم حفظه أيضًا لحياة أخرى
وبعد سنة .. عندما كان صديقيّ العزيزين يستعدون لإطلاق سراح أجنحتهم في براح البلاد البعيدة ..
أخبرني إنه وجد بعض حبّات الذرة بل أن هناك بعض الشموس الصغيرة “المشمش المجفف” التي كنا قد أحضرناها لهم وتشاركناها سويًا..
رغم اختفاء تلك الأشياء سابقًا ونسيانها وسط المشاغل الآ إنني قد شعرت إنها ظهرت الآن لكي تودّعهم نيابة عنـّا ..
فتلك الوداعات السابقة والدموع ومحاولة حفر تلك اللحظة في عقولنا ليست كافية.
لم أكن أعرف إنهم في رحلتهم قد حملوا معهم “قطعًا من الحياة التي أهديْتها لهم” ..
حيث تم حزمها في حقيبة كبيرة وسافرت ما يُقارب الـ 12 ساعة تفصل بيننا وبينهم يوميًّا ، لكي تستقر هناك في بيتهم ولتبدأ معهم حياتهم الجديدة ..
لم أصدق وهو يُدير الكاميرا لي ويسألني بـ مرح هل تعرفي الشيئ الموجود على المنضدة؟
أُدقق النظر لأجد الورد المُجفف مستقرًا في إناء كبير .. وهناك رجل الثلج المُضيئ ، كنت أشعر إنه يمكنني ان أشم رائحة “اللافندر” من مكاني، تلك الرائحة التي ارتبطت به وبمعنى الدفء ..
لقد تأثرت للغاية ودمعت عيوني .. فلقد أخبرته إنني سوداوية جدا كوْني ظننت إنها ستضيع بسبب التنقل… وإنه كم أنا عبقرية كوْني إخترت أن أهاديهم أشياء يمكن أن تُكسر بسهولة ..
وها هي الأجابة تأتي لي مرّات ومرّات من خلال محبتهم ودفئهم .. فلقد عرفت إنه لا داعي للخوف من النسيان والزمن ..
فلا شيئ يقوى على الآثار التي تركوها في قلبي، و التي تُخبرني إنني قد مُسست بسحر شابيْن لطيفيْن.
وأن حياتي ممتلئة بـ نِعمة وجود أصدقائي بجانبي .. لذا بحثت عنهم وحاولت أن اخبرهم إنني مازلت على العهد وأنهم “الحياة” الخاصة بي
فالحياة قد نرمز لها ببعض القطع الصغيرة ونضعها في صندوق ظنًا منّا إنه يمكن حبس الألوان والجمال في مكعب صغير ..
ومع الوقت ننسى هذا الصندوق ونتخيّل أن ما نملكه بداخلها دائم وطبيعي أن يتواجد لدينا …
“الحيـــاة”
هي عندنا تنفتح تلك الصناديق فيشع منها النور ونرى انعكاس قوس قزح في سماواتنا …
فنشعر بالدفء والسعادة وأن ما بيْن أيدينا هو أكبر من تلك الصناديق الصغيرة التي نملكها.




Leave a Comment