جسدي وربُّ مُعتقداتهم

::Photo credit goes to its owner::/ مصدر الصورة: هنـــــــا 

خلال إقامتي في المستشفى كنت في حالة ذهول من تصرفات أبي رغم إنها أشياء مُتوّقعة للغاية وليست بالجديدة؛ فلقد مارسها سابقا في كل مناسبة ممكنة..

ولكن هذا لم يمنع ذهولي وصدمتي وكراهيتي ومقتي لتصرفاته ولـ ربه وله شخصيا ..

ففي شدة مرضي وتوجّعي المُستمر وعدم قدرتي على الحركة ، كان كل ما يشغله انني لا أغطي شعري عندما يدخل الطبيب غرفتي في جولته اليومية ، أو عندما أستند على الممرضة لمحاولة تحريك قدمي قليلا بالتمشية في ردهة الطابق الذي نحن فيه حتى لا اصاب بالتجلط.

فيظل يؤنبني ويتساءل في استنكار :“مش هتغطي شعرك ؟!!!!”

حتى عندما قمت بوضع ايشارب كيفما اتفق على رأسي بمقدرتي الضعيفة وقتها، فإنه يظل يجذبه بنفسه ليُغطي أي شُعيرات سرحت هنا او هناك من تحت ذلك الغطاء ويصرخ في عصبية وهجوم : “إيه دا مش هتغطي رقبتك؟ نزلي الايشارب على صدرك، غطيه!!”

كأنني لست أنثي ولدي صدر كمخاليق الله من الإناث .. وإنه عار يجب أن أحرص على تغطية تضاريسه وإخفاؤه بالكامل.

صرخت فيه ونزعت يده من عليّ ، أن “اتركني ! .. انا من سيدخل النار كما يقول ربك، ونعم أنا أرغب بها… ليس لك دخلِ بي ..  اتركني”.

ولكن مازال هوسه قائمًا ويحارب من أجله كأنها مسألة حياةٍ أو موت، فبدلا من الإطمئنان علىّ بعد صراخي من شدة الألم، أو حتى يحاول مساعدتي على الجلوس أو مغادرة السرير بعد إنتهاء الطبيب من التغيير على جروحي ، فإنه يقوم بسرعة وبقسوة بشد العباءة ليغطي بها ساقي غير عابئ أن جذبته تلك آلمتني لانها لامست الجروح.

وإنه من الأساس انا كنت اعتدل لكي أُعدل ملابسي لأغادر المكان ، والطبيب نفسه ترك لي تلك الفرصة وابتعد إحترامًا لخصوصيتي، ولكن أبي يرى أن الاهم من كل هذا الا تظهر ساقي أمام أحد ولو لثواني، حتى أمام الطبيب الذي لم يكن يُغطيني أمامه وقت عمليتي  سوى رداء المشفى الذي اضطر لازاحته ليُمارس عمله!

تفكير أبي انصب على تغطية الجسد الذي أمامه وإخفاؤه تماما عن الآخرين ..  ذلك الجسد لم يعد ابنته، بل هي أملاك يريد تغطيتها والا يراها أحد مهما كان، وإلا لامه الناس على ابنته التي تمشي على حل شعرها.

ذلك الجسد الذي تفنن هو وعائلتي في تحقيره واخفائه والتعامل معه كأنه لم يكن.

فلا داعي أن أتعرّفه أو أن اتعامل معه على أنه جسدي أنا ، أن تكون لي الحرية المُطلقة عليه..

بل هو من وجهة نظرهم كارثة مُحققة يجب ان يحافظوا عليها بشتى الطرق حتى يأتي اليوم الذي سيدفنوه فيه ليرتاحوا من تلك المصيبة التي ابتلوا بها مضطرين..

لو كان الوأد مسموحًا به حتى اللحظة فلا استبعد ان يتم تنفيذه علىّ لينتهى عذابهم من تلك الفتاة التي تكبر كل يوم أمام اعينهم ويتشكّل جسدها، بينما تدور في روؤسهم كل الأفكار الخرِبة والكوارث التي يمكن أن تُحدثها تلك الفتاة … فبالتأكيد سيشتهيها الرجال..  بالتأكيد ستقع في الخطيئة وستجلب لنا العار..  لذا يجب ان نقتل فيها اي شعور انها أنثى ..

إنها مجرد هيكل .. كائن هُلامي ليس له وصف ..  مُغطى لا يجب عليه ان ينكشف.

كرهت جسدي قبل أن اتعرّفه، تعلّمت أن اغُض البصر عنه وأن اتناساه.

عندما كنت أرى انعكاسي صُدفة على المرآه لذلك الكائن الواقف امامي فلا اتعرّفني، تعلمت ان جسدي ليس لي ، فلقد اصبح سبيل لكل من هب ودب أن تمتد يده عليّ لاشباع رغباتهم الكريهة ، أو يُستباح جسدي للضرب والحرق لأنني طفلة عصيّة لا تسمع الكلام.

كنت صغيرة للغاية لا تعرف ما الذي يجذبهم لها لهذه الدرجة، لماذا يشغل جسدي بالهم لهذه الدرجة ولا يستطيعون النوم الا بعد التأكد من تمزيقي لكي لا أقوم مرة أخرى .. عشت حاملةً خطيئة جسدي الذي كان للآخرين ولم يكن لي يومًا ..

مزّقته تمزيقا بكل ما أوتيت من قوّة وبكل ما كانت تقع يدي عليه..  حرقته..  كان الدم يسيل منه أمام عيني فلا تهتز فيّ شعرة..

اذا كنتم ترغبون فيه؛ فهاهو مشوّه .. لن تحصلوا عليه غضا سليما ابدًا.

كنت غاضبة حانقة كارهة لكل قطعة فيه، ملمس الجلد .. شكله و إنحناءاته .. كرهت كوني أنثى ..

كنت أبكي لله وأصرخ لماذا خلقتني بهذا الشكل .. لماذا؟

لولا وجود ربي الرحيم الطيب الذي يرعاني دائما لكنت أنهيت على هذا الجسد الذي يشغل بال مجتمعي وعائلتي متناسين أنني كائن حي أراد الله له أن يُخلق على هذا الشكل والنوع.

فلقد أيقنت تمامًا أن ربي غير ربهم .. أنا تربية ربي .. فبالتأكيد ربي لم يخلقني في هذه الدنيا لكي يعذبني.

وأن الحجاب الذي أجبرت أن أرتديه ليس من أجل أمر الله ولا لحمايتي من النار كما هددوني، بل هو طاعة لأفكار رب مجتمعهم العقيم .. إنه كيف يكون لكم فتاة ولا يتم تغطيتها؟ .. إجبروها حتى لو هشمتم رأسها .. إنها عار .. ستغمس رؤوسنا في الطين …

لقدإحترفت التغطية والاختباء .. لدرجة إنني كنت أضع يدي على قلبي من شدة الرعب حتى أُسكن دقاته السريعة، عندما كنت أتجوّل بدون غطاء للرأس في ردهة طابقي في المستشفى وأرى المرضى والزوار من حولي، كنت أشعر كأن مجرد رؤيتهم لي تحرق جسدي، عيونهم كانت النار، كانت العفاريت ..  كنت أريد أن أبكي وأن اهرب لأختبئ في الزاوية.

أقاوم كل يوم وأتوه وأحاول أن أكون قوية وأن أفكر في نفسي وجسدي بشكل آخر، أن أحبه .. أن اقتنع إنني أنثى وإنها نعمة من الله .. أن أرضى بالتغيّرات التي يشهدها جسدي ولا أشعر إنني ملعونة بها ..

أن يأتي اليوم الذي أستطيع أن اقف أمام المرآة وأن أرى نفسي فيها بعيني، قبل أن أراها في عيون الآخرين.

Leave a Comment