مهارات البقاء :Bipolar

اليوم هو آخر يوم في شهر #التوعية بـ #الصحة_النفسية، رحلةٌ طويلة للغاية وبجذور عميقة، بدأتْ هذا الشهر بعد مشاهدتي لفيديو يدعو الناس للنظر للأمر بجدية وأنه ليس سحر وحسد، ولكن الحقيقة أن رحلتي كانت منذ طفولتي مع معاناة أمي مع “اضطراب المزاج ثنائي القطب”/باي بولر/Bipolar

هيَ رحلت، أتمنى لها الراحة هناك عند الله في مكان رحيم يسعُها أكثر رحابةً من الأرض.. ولكنني قرّرت أستحضارها – وأنا التي لا أنسى، ولا زالت آثار مرضها ملتحمة بحياتنا حتى الآن – لكي نكون صحبة لكل مَن هم مثلي، صُحبة الوجع هم سند الطريق الطويلة المُوحشة.

سأخبركم اليوم عن محاولاتنا للنجاة أو “مهارات البقاء على قيْد الحياة”، لم تكن طرقًا سحرية، ولم تنجح تمامًا، لدرجة أننا الآن وأختي ندور كالتروس في الفراغ غير مستوعبات أن كل هذا انتهى، وأنه يمكننا الآن النظر لحياتنا الخاصة فقط .. ماذا تعني كلمة “حياة خاصة” أصلاً؟… ولكنها كانت حرب!.

في صغري كنت أرفض وجودي في تلك الحياة، وكان رفضي يزيد مع عُمري، كانت عائلتي تحكم قبضتها بشدّة علينا، لا تسمح لنا بالدوران غير في فلكهم وحدهم، لا خروج، لا أصدقاء، لا عمل، لا حياة على الإطلاق .. نحنُ فقط لخدمتهم لا أكثر ولا أقل، مُباركين في ذلك بالمجتمع ورجال الدين الذين يعتبرونهم أنصاف آلهة ونحن مُسخرّين لأجلهم.

لم يكن لدينا داعم ولا سند، لا أحد ينصحنا، لا قدوة، لا توجد طُرق للمعرفة بسبب حبسنا في دوائر صغيرة بعيدًا عن البشر والحياة، فقط طفلتين تحركهما فطرتهما ورابطهما بالله.

استغليْت وجودي في المدرسة واشتركت في كل النشاطات هناك بلا استثناء، كنت أحاول اخراج طاقة الألم/الغضب/الوحدة/الخوف .. كنت أذهب لمكتبة المدرسة للقراءة، أستعير الكتب من زملائي لقراءتها خلال الفسحة التي أقضيها وحيدة …. كنت أكتب، أسرق لحظات لمشاهدة كل ما يقدّمه التلفاز، أسرح بخيالي وصنعتُ عوالم أخرى داخل عقلي أهرب إليها .. صنعت صديق تخيلي مازال معي حتى اللحظة.

ومن بعدها استغللنا وجودنا على الإنترنت لنصنع لنا “بعض حياة”، ونتعرّف على أصدقاء، ونقرأ، ونهرب من واقعنا الحزين.

بحثتُ بنفسي عن أطباء نفسيين، وكنتُ أدخر النقود لزيارتهم لكي يساعدوني في التغلب على مشاكلي النفسية مثل “إيذاء النفس” و”الإكتئاب”، و”محاولات اللإنتحار”، كنت أذهب لهم حسب الظروف المتاحة، ولكني كنت أتعلم منهم ومع خبرتي معهم كيف أصمد حتى الجلسة الأخرى التي قد تكون بعد شهور أو سنين ومع طبيب آخر.

خبّأت متعلقاتي الشخصية، وأسراري لكي لا تستغلها أمي أثناء نوباتها، ولا يعبث بها أحد، كنت أحمي أختي الأصغر ونُرتّب أنفسنا لمواجهة النوبات .. مَن تستطيع منّا النوم لدقائق فلتذهب وتُغلق على نفسها الغرفة وتفعلها!، لأن الدقايق القادمة لن تضمن لنا نومًا لأيام .. تعلّمنا نأكل ونشرب سريعًا والمُتاح – مهما كان – في أقرب فرصة فقد لا نجد تلك الفرصة لأسبوع كامل.

كنتُ أنا وأختي جبهة ضد الباقيين، نحمي بعضنا البعض، نُرتب جدولنا لنسمح لإحدانا بالخروج لبعض مصالحها أو ممارسة شيء خاص بها، ثم التبديل .. الأمر كان يتطلّب الكثير من التفكير والترتيب كأنها خطة جيش ولكنها الطريقة الوحيدة.

درّبنا أنفسنا على حماية مشاعرنا بتخبئتها، وتصدير وجه جامد يعرف ما عليه عمله وقت النوبات حتى انتهائها .. كنا نستغل اللحظة الحالية، فالإنتظار لدقيقة قادمة يعني ضياع الفرصة للأبد في كل شيء ..

كنا ننجح أحيانًا في إجبار البالغين في حياتنا بالقيام ببعض من أدوارهم التي تخلّوا عنها متعمدين، أو هربًا من تحمل المسئولية، سواء بالمحايلة أو بإشعارهم بالذنب أو بأي وسيلة نتمكن منها.

ومع الوقت تعلّمنا أن لا ننظر لوالدتنا على أنها “أم” ننتظر منها شيئًا لن يُقدّم ، بل أن نُعاملها كإنسان، وقتها يمكننا أن نُميّز خيرها من شرها، لن نشعر بالعار أو بالخجل منها، سنتفهّم صعوبة حياتها، نُشفق عليها ولكننا أيضًا لن نتحمل عِبء وذنب ما هيَ عليه كما كان المجتمع يحاول جاهدًا تحميلنا هذا العبء، وكأنه علينا التكفير عن هذا الذنب للأبد حتى لو اندثرنا ولن يكفي!

وأخيرًا .. أننا رغم كل شيء، الأهم .. أنا أهم من أختي الحبيبة، وأختي بالنسبة لنفسها هي الأهم مني مهما كانت معزّتي عندها.. ثم بعدنا يأتي الآخرون ..

اطلبوا المساعدة الطبية، والحقوا المرضى بالمستشفيات عند النوبات، اعلموا إنه ليس عار، والمستشفيات ليست سجن لتعذيب المريض بل للسيطرة على النوبة ثم تكملة العلاج في البيت ..

لو غرقنا لن نجد من سينجو بالسفينة، الأمر ليس سهلاً، وهناك عائلات تستنفد كل ذرّة من طاقتك ولكن “العيش كـ ظل قاتل”.

فرغم كل تلك المحاولات، مازلت أكتشف إن جزء كبير من كياني يقبع في الظل، لا يعرف الطريق للخروج بعد .. ولكنها محاولة للنجاة.. عندما رحل كل شيء وبقى جسدي بعيدًا عن ظلّي.

 

#شهر_أكتوبر
#صحة_نفسية
#توعية
#اليوم_العالمي_للصحة_النفسية
#تدوينات_عن_ثنائي_القطب

Leave a Comment