كيف لم ننتبه مبكرًا؟، كيف لم نجبرها – لو كان هناك ما يمكن إجبارها عليه – لتناول الدواء متجاهلين غضبها من رعشة أطرافها بسبب التأثيرات الجانبيّة لدواء “ديباكين” – الذي يجب قياس نسبته في الجسم دوريًا-.
كانت تُكابد الأمرّين مع الأدوية، بدايةً من الإنكار أنها ليست مريضة، فلا يوجد بشري سيتعايش بسهولة مع فكرة مُلازمة الأدوية له مدى الحياة، أو أن حياته من خلال ذاك المرض ما هيَ إلاّ عبارة عن” نوبات” و”لا نوبات” …
كانت تحب الكتابة، كانت صحفية مجتهدة لم تنَل قدرها كونها إمرأة، مريضة، ومتزوجة من زوج مُسيئ … كانت ترى إنجازتها في ثوْرات الحماس التي تأتي مع النوبات العالية، كانت تُنجز مقالات عبقرية، كانت تقوم بعمل لا يقوى عليه بشري في يوم واحد، كانت تصوّر وتكتب وتُقابل وتحاور، وتحاول أن تكون أمًا وزوجة خوارقية كما يطالبها المجتمع بدون أن يقدم لها المعونة للحظة ويلاحقها بالتأنيب والإستهزاء والعار.
عندما تهدأ النوبة بفعل الأدوية الضخمة والحقن التي تأخذها بعد معارك طاحنة، تفقد بريق الحياة، أراه في عينها يحاول الهرب لذلك المكان المجنون الذي يخبرها أنها “يمكن أن تكون حيّة ومُنتجة وناجحة كما تتمنى”.
عائلتها كانت تشعر بالعار عندما كانت أمي تصرخ طوال الليل، وتتحرك في كل مكان مما يثير تساؤلات الجيران ومَن في الشارع…
لكنني تعلّمتُ أنها ليست عار، أنها مريضة وتحتاج الحفاظ على إنسانيتها وكرامتها وهذا ما كنتُ وأختي نحارب من أجله ..
لا يلمسها غيرنا حتى لو معنى ذلك إصابتنا بالكدمات أو على الأقل في حضورنا واشرافنا .. نُحافظ لها على هيئتها مهندمة نظيفة .. نمنع عنها عيون المتطفلين واسئلتهم التي لا تنتهي… نحفظ لها أسرارها ومتعلقاتها الخاصة من الضياع والإستباحة.
تعلّمتُ – في طريق خوفي وألمي – أن أرحم وجعها وخوفها من الأدوية، وأن نبحث سويًا عن حلول لمعالجة الآثار الجانبية، وتغذيتها بالفيتامينات والأطعمه الصحية على أمل تقليل معاركها.
ولا زلت أتعلّم – في طريق نقمتي وغضبي – أن أتفهّم أن للحياة أشكال عديدة وأنه لا يوجد كتالوج محدد لحياة البشري لا يمكننا أن نُحيد عنه.
للأسف كنا محاطين بثلّة من الأغبياء الذين يخبروها طواعية بكل تفصيلة حدثت منها خلال نوباتها، ماذا قالت، وماذا فعلت مهما كان هذا كله شنيع لا يُحكى ونشاهده في كوابيسنا فقط .. كانت تخرج من النوبة فاقدة لذاكرة تلك الأيام المظلمة ليتبرع الأطباء والعائلة غير شاكرين بمصارحتها بكل شيء!.
كانت تشعر بالخزي والإستباحة، كنت أراه في عيونها المفزوعة، تخبرني أنني لم أكن أم جيدة، أخبرها أنها ساذجة فليس هناك كتالوج للأمهات الجيدات .. وأن انجازها أنها أنجبت جيشها الخاص (أنا وأختي) لحمايتها.. لدعمها .. لنكون نحن الصوت الطيب – في تلك العائلة المجنونة – مخبرين إياها أنها ليست سيئة كونها ليست خارقة كما ينتظرون منها ..
نحنُ كنا فقط نريد من عائلتنا أن تحمينا منها وقت الأذى، لنستطيع حمايتها وقت ضعفها .. ولكننا كنا بين نارين، نار أننا كاليتيمات نشحذ الإنتباه والنظر لنا، ونُطالب بحقنا في حياة إنسانية عادية جدا .. وبين أنها مريضة ولا يمكننا محاسبتها إنها كانت شخصية مُسيئة شرسة تسببت لنا في الكثير من الدمار والألم، كما نفعل مع شخص بخير عقليا ونفسيًا.
* هذه تجربة شخصية، نتشابه ونختلف مع الآخرين ولكننا مازلنا نتماسّ عند الوجع.
#صحة_نفسية
#توعية
#اليوم_العالمي_للصحة_النفسية
#تدوينات_عن_ثنائي_القطب




Leave a Comment