محفوظٌ بعناية.. بعيدًا عن الحياة !

قصة قصيرة كنت قد قدمتها في مسابقة أونلاين العام السابق battana.org

simple Break

هاقد قاربت الطائرة على الهبوط في المطار، تنظرُ للنافذة غير مصدّقة أنها استطاعت أن تجُرّ نفسها جرًا للسفر لتبدأ حياةً جديدة لها وحدها، وليْس من أجل أحدٍ آخر.

أحقًا هيَ الآن بالطائرة؟  وأنها ترى المدينة المضيئة تحتها؟

شعرتْ بقبضة تعتصر معدتها وأوْشكت على القيء من هوْل الفكرة .. تتنفّس ببطء وتُخبر نفسها بحسم:

” لقد بلغتِ الثلاثين يا فتاة ألم يحِن الوقت بعد لتُكوّني حياتك أنتِ؟،  أستتوقّفي عن محاربة شياطينك بهذه السهولة؟ أم أنكِ بانتظار العالم الآخر؟”

“العالم الآخر؟!” صدمها وقع الكلمة التي لطالما ردّدتها بإعتيادية، وكأنها انتبهت الآن فقط لمعناها

” أيُّ عالمٍ آخر بالضبط؟ هل هوَ الموت؟ “

لا ، لا .. فمن الصعب أن أصطحب كل تلك الأشياء معي في القبر ثم أجُرّها معي ونحن ذاهبون لله في حشود، لأقف أمامه ومعي الدباديب والصوَر والحلوى التي تتساقط منّي لأن  ذراعيّ صغيرين ولا يسعان كل تلك الأشياء التي خزّنتها لسنوات طويلة..

هزّت رأسها في ذهول طاردةً الفكرة قبل أن تهمس لنفسها في حزم :
” لقد اقتنصتِ هذه الفرصة اقتناصًا، إذًا فلتكُن خطوةً كبيرة خارج زمنك البارد، لقد نزعتِ عن أجنحتك تلك الأكياس السوداء التي كانت تُخفيها، وسريعًا ستأتي الرفرفة الأولى مُزيلةً تلّ الأتربة التي عَلتها “

 

ها هيَ أخيرًا على أرض المطار حيث تم كل شيء بسرعة، لقد ختمت أوراقها بعد نظرة الضابط المتشكّكة رامقًا إياها بينما تُحاول جاهدة ابتلاع توتّرها.

تقف مع الجميع  أمام السَيْر المتحرِّك المُخصص لاستلام للحقائب؛ والذي بدأ دوْرته بلفظ حقيبةٍ تلوْ أخرى في بطء أمامها.. تنتظر حقيبتها بلهفة الغريق .. إنها تريدها بشدّة بحثًا عن محيطها الآمن..

لقد وضعت حياتها السابقة كلها بعناية بين جنبات تلك الحقيبة..

آلافُ الذكريات .. تذاكر السينما المُوقّعة من أصدقائها، تلك الفيديوهات والأفلام التي لم ترها وظلت تؤجلها لسنوات ريْثما يأتي الوقت المناسب..”عندما تكوني أفضل حالاً”، “عندما يكون مِزاجك أكثر بهجة….”

الكثير من الخطابات، والمناقشات، والقصص والخواطر التي لم يرها أحدٌ سواها، صور من مجلات أرادت يومًا ان تُعلّقهم على حائط غرفتها، دمية فيل صغير أرادت بشدّة ذات يومٍ أن يكون شريك طفولتها الوحيدة.

كل تلك الأقنعة التي كانت ترتديها الواحدَ تلوْ الآخر فقط لكي تستطيع التعايش مع كل الأوْجاع والخسائر والخيانات والفوضى من حولها.

ملابس لم تمسّ بشرتها يومًا، ألوانٌ لم تُجرّب بهجتها، ابتساماتٍ لم ترتسم على شفاهها من قبل، أمنياتٍ لم تتحقّق ومشاعر مُخزنة في عُلبٍ زجاجية محفوظةً في أمان، من أجل يومٍ ما ستحدث فيه المُعجزة .. “وقتها فقط سأستخدم كل تلك الأشياء، وأتذوق طعم حلاوتها ودفئها وهي تمس روحي في المحيط والحياة التي أريدها ..”

ها هيَ حقيبتها تقترب منها،  وهاهيَذي تمدُّ يدها لتشدها إليها بينما يتقافز قلبها من بين ضلوعها في حماس.. ولكن فجأة .. أمسكت الهواء!.

لقد ابتعدت الحقيبة من أمامها وأكملت طريقها على سيْر الحقائب..

ظلت يدّها معلّقةً في الهواء بتلك الوضعيّة وهيَ ترى الحقيبة تبتعد أكثر وأكثر، وعلى غيْر المُتوقع لم تذهب خلفها، كأنها تحوّلت إلى صنمٍ للحظات، عيونها مُتّسعة بذهول غير مُصدّقة أن طوق الأمان يبتعد عنها بحماس، لقد أفلت قلبها دقة، أم أنه لم يعُد يدق من الفزع … كم مرّ من وقت، لا تعرف ..

لتجد نفسها قد انتصبت مُعتدلة وقد استدارت في آلية متوجّهةً إلى باب المطار، مُتّخذة خطواتها بحذر تجاهَ ذلك الفضاء الواسع الذي ينتظرها.. يمكن سماع صوت تنفّسها المُضطرب وهو يُحاول أن يعود لسيرتهِ الأولى.

وأخيرًا هاهيَ بالخارج .. تتسع عيونها توترًا لرؤية البشر حولها من كل صوب، تمسح ببصرها المرتاع المكان بحثًا عن مرسى يحتويها، تُطالعها السماء الممتدّة صديقتها العتيدة، لتُذكّرها بدفئها المعهود وطيبتها الرحْبة.

ابتسمت في رضا لأول مرة في حياتها بينما تترقرق الدموع في عيْنيها، واضعةً يدها على قلبها وهي تهمس لنفسها :

” فليظلُّ ما أمتلكهُ من ذكريات ههنا .. ولأعيش”.

Leave a Comment