الله الذي في السماوات

نورٌ ساطع يخترق التشقّقات .. نورٌ يعمي العيون .. الحائط المنيع يتم اختراقه بالنور وسينهار .

أشعر بأن هناك شاحنة مُسرعة وكشافاتها مفتوحة في وجهي مُتّجهة ناحيتي … لا أستطيع أن أراها بوضوح ..

الكارثة أنني لا أتحرك من أمامها .. قلبي يرتجف من الخوف .. إنها آتية وستكتسح كل ما أمامها .. مُثبتة في مكاني واقفة اواجهها وأغطي وجهي من نورها ..

تلك اللحظة لا تنتهي … أترقّب انهيار الجدار وظهور الشاحنة لتدهمني مؤكد ..

ولكن المشهد يسير ببطء .. الثواني التي تستغرقها أشعة الضوء في اختراق الشقوق وقُرب انتصارها على ذاك الجدار تسير كساعاتٍ طويلة .. بينما لا أحرّك ساكنًا

فقط اظل انظر لها وقلبي سيتوقف من الرعب … اغطي عيوني كالأطفال ليهدأ قلبي قليلاً .. سيمر ذلك .. سيمر .. فقط اصمدي ..

ذاتها الكلمات التي اقولها وأنا مُمدّدة على السرير ليلاً مُغطيّةً وجهي بالغطاء ، أرتجف تحته كورقة في رعب صامت .. مُتمنيّةً  أن ترحل أشباحي بعيدًا .

أصبحتْ أشباحي تتنافس في الظهور في عالمي الصغير الذي صنعتُه لتلك الفتاة الصغيرة الوحيدة .. لأخبرها أن تنسى كل هذا الألم وكل هذا الخوف وأن تترك هذا العالم المُوحش بما فيه للحظات ولتأتي إلى هناك حيث تلك الفتاة الجميلة اللطيفة التي تحبها وتشاهد حكايتها.

ولكنها تلك الذكريات اللعينة .. تظهر كـ ومضات ساطعة..  أراها واضحة أمامي كأنه شريط سينما يعرض ما حدث ..

لماذا قد تومض تلك الذكريات في عقلي بهذا الشكل رغم أنني أحيا معها وتُحيط بي وتتحرك معي في كل لحظة ..

لهذا كنت أبكي في المشهد الأخير من فيلم “أسرار البنات” عندما كانت حياة تلك الفتاة تزدحم حولها على السرير وتملأ الغرفة بأحاديث لا تنتهي.

تلك الوَمضات أصبحتُ أراها حتى بدون أن أفكر فيها .. فتظهر هكذا مُقرّرة أنها ستُعرض وإنني سأراها شئت أم أبيْت… وحتى لو رفضت .. منذ متى عندما أرفض شيئًا يتوقف؟…. يجب في كل مرة أن أتأقلم أنا وليس هُم.

حتى اللحظة أكره ذلك النوع من السيارات لأنه يذكرني به .. عندما كنت أنتظر العقاب اليومي ..

كم استمر يا تُرى؟ .. شهور؟ أم سنة كاملة .. لا أذكر

ما أعرفه أنه كان يأتي يوميًا على الموعد .. كالموْت لا يتأخر …

أراه من زجاج النافذة وهو يرفع وجهه ناحية البيت وينفث دخان سجائره وينتظر …

أراني فتاة صغيرة تقف بعيون دامعة عند النافذة وتدعو  الله من كل قلبها أن يموت ذلك الرجل أو ليجعلها تختفي لينتهى هذا العذاب ..

ولكنه لم يمُت ..وهي لم تختفِ .. أراه يُفسح لها الطريق وهو يبتسم في خبث أنه لم تنجح كذبتها و إدعائها المرض في الإفلات منه وهاهيذي للمرة المئة مُقدّمةٌ إليه على طبق من ذهب.. يُدخلها بيده للسيارة .. يتأكد أنها جلست في المكان المناسب في المقعد الخلفي الذي ستطوله يده طوال الدرس …

ثبّت ملامحه بحيث لا تفضحه  ، وبدأ في اعطاء حصته بكل سلاسة بلا ذرة قلق واحدة..

كانت أمها تخبرها في سعادة أنه سائق ماهر وأنها تتعلّم منه بشكل جيد لذا عليكي ان تسمعي كلامه .. لقد أخبرتك أكثر من مرّة ألاّ تجلسي خلفه تمامًا ، هذا لا ينفع دعينا نُنهي الدرس هيا ، تحرّكي لذلك المكان الذي أخبرك عنه ، كوني مُطيعة.

السيارة تسير في الشوارع الخاوية .. تنظر للسماء من زجاج السيارة في يأس   ” إن السماء عالية جدًا  .. مظهرها جميل .. إنها سماء طيبة .. هناك سأكون حُرّة”

أسمعها تبتهل بصوتٍ خافت لكي لا يسمعها أحد   ” أيتها السماء اجعليني احلّق بين سحاباتك .. إن الله فوق ، أليس كذلك ؟ “

يؤلمها موْضع يده على فخذها فترى احمراره تحت يديه … تنكمش في مكانها في محاولة ان تلتصق بباب السيارة لكي لا تطولها يده … هي وحيدة لن يساعدها أحد .. “فلتصمدي” .. اسمع كلماتها التي كانت تقولها لنفسها .. “سينتهي هذا سريعًا .. سينتهي”.

Only a bird could get much higher

أراها فجأة وقد تحوّلت ملامحها بالكامل وقد أصبحتْ شخصًا آخر .. تنظر له في مرآة السيارة بوجه جامد لا حياةَ فيه .. عيونها مُثبتة عليه بتحدٍّ سافر .. غيّرت موْضع جلستها جالسةً في المنتصف تمامًا بين كرسيه وكُرسي أمها غير عابئة بفستانها الذي يكشف ساقيها بفعل تلك الجلسة .. تسند أحد ذراعيها على كتفه والذراع الأخرى على كتف أمها ..

ارتسمت ابتسامتها الساخرة الواثقة وهي تراه يُحاول أن يثبّت انفعالاته ، وقلقه من نظرتها الجريئة له وحديثها وضحكاتها وتوجيه الكلام له كأن لا شيء يُثير الريبة ..

أن “إذا أردت شيئ فلتقترب ولتفعلها ههنا أمام الجميع وبينما أنا أنظر لك في عينك .. أنتَ لا شيئ. “

أراها في نهاية اليوم تُلملم نفسها وهي تصعد سلالم البيت بصعوبة وقد انهارت قُواها.. تحطّمت مقدرتها على فعل أي شيئ .. بعدما أدّت الدور جيّدًا ..

عيونها لم تعد تجد الدموع لتبكي .. صوتها لا يجد الطاقة على الصراخ من الألم ..

ترتمي على سريرها بعدها أهلكت جسدها تنظيفًا بالماء والصابون حتى قارب أن يُدمى .. تُغمض عيونها آملةً ان ما يحدث الآن سينتهي ، حيث سيظهر المُخرج من مكان ما فجأة ويُخبرنا ان الفيلم قد انتهى ..

تلمس جسدها غير مُصدّقة أنها تعيش الآن .. ألم كوْنها حيّة يكسرها ويُدميها.

2 Comments

  1. Aya amr Reply

    ربنا معاكى يارب ربنا يسعدك ويحسنلك حياتك انا قرأت كل الحاجات اللى كتبتيها .. اكنى حسيت بيكى مع ان محصليش اى حاجه من دى بس .. :’) ربنا هيعوضك خير

    • Omnia

      سعيدة بمرورك جدا، وأسفة إني اتأخرت عليكي بالرد.
      قراتك للي كتبته شرف ليا، وسعيدة أكتر بردك لإنه ترك بصمة منك إنك مررتي من هنا
      كل التحية ليكي عزيزتي
      (^0^)

Leave a Comment