في ذكرى زلزال اليابان

::Photo credit goes to its owner::

لا أصدق أنه قد مرت علينا 6 سنوات من اللحظة الحزينة التي استيقظت فيها من النوم، لأجد البيت فارغ، فلقد ذهب الجميع لإنهاء أعمالهم وبقيت أنا مرهقة في البيت، لأفتح التلفاز في ملل لأتفاجئ بصورة هي الهول ذاته.

موجه عاتيه تكتسح كل ما هو أمامها .. لم يعد هناك فاصل بين البحر والأرض .. بل لم تعد هناك أرض من الأساس .. لقد تحول كل شيئ لبحر كبير للغاية ..

نظرات الهلع وعدم الفهم …. “أهذه اليابان؟ ماذا حدث بالضبط؟ هل هو يوم القيامة .. أوه ياإلهي الرحمة”.

أمسك الهاتف لأتصل بأختي وأنا أبكي، وأخبرها أنه قد حطم الزلزال اليابان .. تتابع هي أيضًا الأخبار على الجهة الأخرى من الهاتف وتنبض قلوبنا هلعًا وتبكي عيوننا ولا نعرف ماذا علينا أن نقول لبعضنا البعض.

قضيت أيامي أدور بين القنوات الإخبارية لمعرفة الجديد والإطمئنان على الناس هناك .. لقد كنت غاضبة من القنوات العربية والأمريكية كونها لا تعطيني أي جديد، سوى نفس الخبر بنفس الصور، لا يوجد إهتمام حقيقي سوى إبلاغك عمومًا أن هناك كارثة في اليابان بدأت بزلزال وانتهت بتخوّف من كارثة نووية تخللتها تسونامي أخذ معه الحياة بكل معانيها.

لذا سارعت للقنوات اليابانية، رغم إني لا أعرف سوى بضع كلمات لا تُغني ولا تُسمن من جوع، ولكن تلك القنوات كانت الأمل الوحيد لمعرفة ماذا يجري فعلا هناك في اليابان الحبيب .. كوكبي الأم .. بلدي وموطني رغم إنني لم أطئه يومًا ولكن قلبي هناك، ويتمنى أن ينبض بداخل جسدي وأنا على أرضها.

ووجدت ضالتي هناك كما توقعت، في إحدى القنوات اليابانية NHK BS – الناطقة باليابانية – كانت سابقًا تُقدم عرض تشويقي مجاني لمدة ساعة يوميًا فقط، ولكن كرم أخلاق منهم بعد الحادثة ورغبة أن يدعموا الجميع تركوها متاحة مجانًا طوال 24 ساعة ولمدة ثلاث شهور كاملة .. لم انقطع فيهم عن متابعتهم لحظة بلحظة.

ذرفت خلالهم لترات من الدموع، ودعوت من كل قلبي، وصلينا أنا وكل مُحبي اليابان من أجل من ماتوا، ومن يعيشون حياة صعبة تاركين أحباءهم وبيوتهم الدافئة وحياتهم التي اعتادوا عليها .. لتنقلب حياتهم رأسا على عقب في لحظة .. وتتغير خريطة اليابان وخريطة الوجوه للأبد 🙁

شاركت أنا وأختي لسنوات في “ساعة الأرض” وأغلقنا أنوار البيت وكل ما هو كهربائي لمدة ساعة كاملة، لكي نسمح لغيرنا سواء في اليابان أو في أي مكان آخر أن يحصلوا على بعض الكهرباء حتى لتلك الثواني القليلة .. فالظلام وجع.

طوال الوقت كانت الأفلام الأمريكية تُصدّر لنا اعتقاد راسخ أن وقت الكوارث والحوادث سيظهر  “أعفن ما في بني ادم، من سرقة ونهب وقتل ونظام نفسي نفسي” وتبريرهم هو أن الإنسان مذعور.

وكنت ومازلت غير مصدقة لتلك الفكرة، ولكني كنت خائفة من نفسي، هل يا تُرى عندما تحدث كارثة هل سأتحول لتلك المسعورة التي يحكون عنها؟ 

لتأتي اليابان الجميلة لتثبت للعالم إنكم حمقى، لقد وقف الشعب بالكامل مع بعضه البعض، كتفًا بكتف، بدون شعارات ولا طلب منهم أحد أن يصدّروا صورة معينة، بل كانوا يتحركون بكل ثقة ومحبة وإنسانية .. الإنسانية التي خلقنا الله عليها.

فلقد شاهدت بعيني كيف أن الناس في “طوكيو” أي على بُعد ساعات طويلة من الإقليم المُصاب، ولكنهم كانوا يوفرون الطاقة بكل ما أوتوا من قوة، لا يُنيروا بيوتهم إلا فيما ندر، توقفوا عن مشاهدة التلفاز وأزالوا سلك كل جهاز كهربائي من قابس الكهرباء، لكي يستطيع الإقليم المُصاب الحصول على بعض الكهرباء والماء وأي مصدر طاقة ليعطوهم القوة لكي يستمروا أكثر في مواجهة تبعات تلك الكارثة وأن يكونوا بخير …

الجميع كان يشتري حاجاته الأولية فقط، وبأقل عدد ممكن لكي يترك فرصة لياباني آخر في أن يحصل على طعام ليعيش يومًا آخر معه حتى تستعيد اليابان قوتها.

كانت هناك طوابير في الأقاليم المُصابة أمام هاتفين قديمين،، كل فرد يقف لثواني ممسك بسماعة الهاتف ليتصل برقم واحد فقط، مُتمالك كل قوته الا يبكي قهرًا على ذلك الوضع ويخبر أقربائه أنه بخير وحي لا تخافوا.. ثم يترك مكانه لمن يليه ..

وهكذا ترى الطوابير متراصة في هدوء تحت المطر، وتظن أن تلك الطوابير لن تنتهي أبدًا ولكنهم لم يتقاتلوا، ولم يشتموا بعضهم البعض، لم “يستعبط أحدهم في الحديث الطويل عبر الهاتف” .. كلهم يريدون نفس الشيئ ويعرفون ماذا عليهم فعله بدون وجود لشُرطة تنظمهم …

كانت الحافلات تأتي بعد ساعات لتقل الناس التي تصعد في هدوء، ولا يركب زيادة عن الحمولة رغم الوضع، فهم يريدون الأمان للجميع واحترام آدمية البشر داخل الحافلة، وتختفي الحافلة ثم تعود بعد وقت طويل نظرًا للمسافات الطويلة التي تقطعها، والطرق غير صالحة للسير، ولا يوجد إمكانية للإمدادات من خارج الإقليم المُصاب.. لقد كانت تلك الرحلات صامتة، الوجع فيها كان له الصوت الأعلى، لو كان يمكنك أن تسمع أنّات القلوب.

الشباب قاموا بحماية الأطفال وإرسالهم مع العجائز أولا، وبقوا هم حتى تأتي المساعدات …

الشيوخ استبدلوا مكانهم بمكان الشباب، ليتركوا الشباب يُغادرون الإقليم المتضرر من الإشعاع وبقوا هم لكي يحموا الشباب الصغير ونسلهم وتظل اليابان بخير .. وكان دافعهم أنهم أخذوا من الدنيا الكثير ولن يستغرقوا الكثير من الوقت قبل أن يموتوا، واليابان تحتاج إلى شبابها.

الفنانين هناك كل منهم لم يتوقف عن العمل لحظة لكي يخفف عن اليابانيين، إما بعمل حفلات غنائية مجانية للدعم، أو لجمع تبرعات للأقاليم المتضررة، أو تمثيل فقرات تخفف عنهم الألم والخوف والوحدة …. الجميع تحرك ولم يبقَ في مكانه مُستعر من مهنته أو وجدها غير مفيدة و “مش وقته” زي ما بنزرع في بلادنا .. أن الفنان موجود “للهجص” فقط وفي الأمور المهمة “يركن على جنب” علشان فيه ناس أهم منه دلوقتي.

أمثلة لا يمكن حصرها عن ما حدث خلال تلك الكارثة .. لتظل اليابان تثبت في كل مرة أنها الأقوى والأفضل في كل شيئ.

كل دعواتي القلبية لكل من عانى .. وترحّمي على كل من فقدناهم ..

إنه رغم المسافات الطويلة التي تفصل بلادنا عنهم .. ورغم إختلاف لغاتنا .. الا إننا على قلبٍ واحد ..

إننا جميعا بشر نقف بجانب بعضنا البعض بالدعوات والصلوات وكل ما يمكننا تقديمه للجميع بدون أن يكون هذا لغرض ما .. فقط من أجل المحبة ومن أجل الله الذي خلقنا جميعا.

ياباني الحبيب .. كن قويًا دائما <3

2 Comments

  1. آسر Reply

    أول مرة اقرا عن كارثة اليابان بهذه التفاصيل وبهذه العاطفة الجياشة. عاجز عن الشكر والتقدير لجمال الكلمات التي قرأتها.

    ربنا يرحم اللي ماتوا و يعين اللي فضلوا عايشين بعد الكارثة المريعة دي.

    • Omnia

      يسلملي روحك آسر، ممتنة أنك شاركتني مشاعر الحزن عن اليابان وقت حدث كبير زي دا بنتذكره كل سنة، وبنهدي لجميع المتعبين الدعوات والأمنيات أنهم يكونوا بخير <3

Leave a Comment