كعادتي في متابعة وحضور الأحداث المُتعلقة بالأفلام، والتي تقوم سينما مكتبة الأسكندرية بتقديمها مشكورة .. كان اللقاء مع فيلمين تسجيليين للمخرجة المتميزة“نادين صليب”.
كانت تجربة مميزة بحق، سعدت للغاية بالحضور رغم بُعد المسافة بين القاهرة والأسكندرية .. ولكن المحتويات التي تقدمها “سينما مكتبة الأسكندرية” جديرة بالمُشاهدة وتجربة لا تُنسى ، كذلك الندوات التي تلحق الأعمال، أو تقديمات العمل التي يطرحها لنا الأستاذ أحمد نبيل – المسئول عن الأنشطة والأحداث الفنية هناك – تجعلني أشعر بالإهتمام والجهد المبذول من أجل تقديم شيئ يليق بنا كحضور، فكما أخبرت السيد أحمد شخصيًا إنه ليس من السهل ايجاد شخص ماهر يدير ندوة مع أصحاب الأعمال المُقدمة، فكثيرين يميلون لتحويل تلك التجربة لكابوس سواء للحاضرين أو لأصحاب العمل أنفسهم .. ولكنه بالفعل مهتم وماهر ومُتمكّن من أدواته والجميع يُلاحظ هذا بسهولة.
بداية العرض كانت مع فيلم تسجيلي قصير مدته 7 دقائق تقريبًا حمل اسم “فجر”
تجربة شخصية خاصة لمُخرجة الفيلم، صاغتها بعفوية وصراحة مُميزة .. عن ما أوْجعها، وما أسعدها وما حفر ذكرياته في عقلها .. كانت بطاقة تعريف بقلب وشخصية و روح “نادين صليب” .. إننا سنقابل محتويات مصنوعة من القلب، متألقة بحالتها الخاصة، لا تشابه أحد فتظل مميّزة بوجودها في عوالمنا..
الفيلم التسجيلي الثاني كان فيلم طويل بعنوان “أم غايب” ..
في البداية يظل بداخلك تساؤل من الذي قد يُسمى بهذا الإسم الحزين “غايب” وما السبب ؟..
فتأخذنا نادين من أيدينا حتى “حنان” السيدة المصرية الجميلة المُحبّبة للنَفس والموجودة في قرية صغيرة في صعيد مصر، سيدة مميّزة بكل معاني الكلمة، حضورها أخّاذ، تحكي عن مشاعرها وأفكارها وأحلامها بكل ثقة وقوة، تحكي عن خيْبة الأمل في تحطّم حلمها بعدم الإنجاب واطلاق لقب “أم غايب” عليها وعلى مَن يُماثلها ، أي السيدة التي لا ابن لها، فهو غايب عن الحياة.
“حنان” طاردت حلمها بكل قوّتها، قامت بكل ما يمكن عمله، حتى لو كانت تجارب تؤلم وتهد الحيل وقد تودي بحياتها كـ”الكحرتة” – أي التدحرج على الأرض الممتلئة بالحصى والتراب وغير المُمهدة – أو العبور من فوق ثعبان ضخم وغيرها من وسائل القهر الصِرف، ولكنها طريق موجودة و“حنان” شجاعة كفاية ويائسة كفاية لأن تسلك الطريق لآخره مهما تكلّف الأمر.
لهجة الفيلم كانت صعبة الفهم على الكثيرين الذين لم يعتادوا سماع اللهجة الصعيدية الحقيقية، فتساءلت وقتها بيني وبين نفسي، لماذا لا يتم وضع الحوار بالعربية لكي تسهل علينا المتابعة، ولكن مع انتهاء الفيلم عرفت أن خيار عدم إرفاق نص عربي للفيلم كان مُوفقًا .. فلقد جعلنا نحن وكل مشاهدي الفيلم بمختلف جنسياتنا وحتى غير متحدثي العربية في نفس الخانة، جميعنا يُقدّم لنا نفس المحتوى بنفس الشكل .. ههنا ستكمن قوة الفيلم في التعريف بنفسه وأن تتعلق بشخصية “حنان”، فأنت تراها وتسمعها وتعيش تجربتها بشكل حقيقي جدًا بعيدًا عن لحظات التشتيت بترجمة أو شعورك أن ما يُعرض مجرد فيلم اعتيادي وقصة خيالية مكتوبة .. بل هي تجربة إنسانية حقيقية، نابضة بالحياة والوجع والحلم.
في النهاية أتمنى من كل قلبي، أن يُخصص لنا الله باب كبير يؤدي لمساحة شاسعة في الجنة لنا نحن – النساء والبنات – فقط، على كل ما نعانيه في الحياة بسبب مجتمعاتنا الجاهلة، التي تهوى وضعنا في قوالب.




Leave a Comment