حِكمة الرحيل

خلال دعبستي في محتويات شريط فيديو قديم .. وجدت إحدى حلقات مسلسلي المُفضل ER

الحلقة التي غادر فيها (مارك جرين) المستشفى في آخر يوم عمل له في غرفة الطوارئ بسبب عودة سرطان المخ له مرة أخرى ..

بعيدًا أن حلقات هذا المسلسل مؤثّرة للغاية، مكتوبة بحرفيّة عالية، تترك الذكريات في القلب كوْنه مسلسل مميز بحق في كل شيئ .. الا أن المشهد الأخير لـ(مارك) – قبل انتهاء وردية العمل في المستشفي ومُغادرته للأبد المكان الذي عاش فيه سنوات طويلة – جعلني أذكر الشهر الأخير لي في العمل في تلك الشركة …

سألتني أختي وهي تشاهد معي الحلقة .. أرأيتي (مارك) وهو يتحرّك؟ .. إنه يتحرك ويتعامل وكأنه حكيم عجوز اكتشف أسرار الكوْن ولم يعُد لديه ما يخسره ..

لماذا ياتُرى يتحوّل الإنسان لهذا الشكل في اليوم الأخير من العمل.. ولماذا لا يظهر هذا الوجه أو تلك الطريقة إلاّ حينما نُغادر؟

المشهد يمكنك أن تشعر به وتندمج معه بسهولة .. ولكني في ذلك المشهد كنت أشعر إنني اتفهم كل لفتة، كل لمحة .. أعرف ذاك الشعور المُركز الخالص .. فلقد ذقته بنفسي .. مع اختلاف المعطيات والأماكن .. ولكنه ذكّرني بنفسي وقتها.

عندما قدّمت استقالتي من تلك الشركة البشعة، بعدما استنفذتني عصبيًّا ونفسيًّا .. كإنني تحولت فجأة لشخص مختلف ..

أصبحت خفيفة .. أتعامل بثقة مع المعطيات حولي .. لم أصَب بالصداع أو بالهلع أن شحنة لم تصل في ميعادها مثلا.. لم أعد الثواني لمعرفة هل تم قبول المُناقصة التي عملت عليها ام لا … لم أهتم لذلك المدير المريض نفسيًّا الذي يُترجم احساسه بالنقص من خلال الصراخ وتوجيه الاهانات للموظفين وتحميلهم أخطائه الشخصية …

شعور إنه لم أعد أنتمي لهذا المكان وأشخاصه ومعطياته .. ولكنني في نفس اللحظة توجد لي ذكريات في كل شِبر في تلك الشركة .. ومع كل موظف وموظفة .. الهواء الذي تشاركته معهم .. توقيعي الموجود على بعض أوراق في أرشيف الشركة … ببساطة كل شيئ يدل “إنني كنت هنا يومًا….”

قلبي يحمل ذكريات المعاملات الجيدة .. وينظر بحكمة لما عانيته لساعات على هذا المكتب الانيق ..

في اليوم الأخير، في الدقائق الأخيرة من انتهاء الدوام .. الجميع كان يعرف إنني سأغادر … يومها يمكن أن تشاهد نظرات الإمتنان الحقيقية .. ونظرات اللامبالاة .. لقد انكشف “الحجاب” الذي يفصل الحقيقة عن أكوام الأكاذيب والخداع والمجاملات ..

عندما تتساوى لديك النتائج .. لا تعود الأمور مُقلقة كما كانت .. تراها بعيون مختلف .. لم يعد هناك ما يجرك للأرض .. الآن أنت تحلق بحرية في السماء وتتساءل بينك وبين نفسك في حيرة .. لماذا كنت أحمل كل هذه الهموم والمخاوف بداخلي .. لماذا أعطيتهم قدر أكبر من حجمهم فأصبحوا ثِقل على كاهلي .. متى حدث هذا؟ ولماذا لم اراه الإ الآن؟

كنت انظر لكل شبر وأنا بداخلي شعور بالشجن والحنين .. كان بداخلي شعور بالقوّة رغم الألم .. قوة إنني اخترت هذا الخيار حتى لو كانت الظروف والأشخاص يدفعوني دفعًا بهذا الاتجاه .. ولكني أتخذت الخطوة التي يتردد فيها الكثيرين ويبقون .. قررت أن أترك هذا المكان بحلوِه ومُره لكني أحاول الإبقاء على نفسي التي عهدتها … لم يعد للتهديدات والصراخ والإهانات معنى .. لم تعد تكسرني فالآن أنا بشكل ما استرديت “حريتي” من بين مخالبهم … وقفت في وجههم جميعا رغم الدماء التي تغطي جسمي نتيجة معاركي معهم وأخبرتهم بقوّة .. إنه يمكنني أن أحيا بعيدًا عنهم .. وأنه حتى لو لم أجد شركة كبرى مثلهم .. إلاّ انني لن أبقى لهم عبدة .. وأن تلك الفتاة يمكنها يومًا أن تقول “توّقفوا .. أرفض .. وسأرحل”

أتمنى أن أتناول حبوب الشجاعة تلك كثيرًا حتى أكون بخير .. يكفي ألم وحزن.

Leave a Comment