علّمتني مصر

عندما بدأتْ الأيام والشهور تمر عليّ هنا في مصر، تذكرت.

تذكرت المشاكل التي كنت أعانيها وغيري في الشخصية، وهذا ساعد بشدة أن نفقد أنفسنا ولا نعرف ما هي مميزاتنا، وما هي ملامحنا وقدراتنا الحقيقية.

فرغم تمتع مصر بجو ثقافي مميز، في الكتابة والصحافة، والفن بأنواعه .. وهو ما تحسدنا عليه البلاد العربية الأخرى، وحتى وإن حاولوا في هذا الإتجاه وسافروا للخارج لتعلم الفنون والأدب، تظل مصر هي الأم لهم في هكذا أنشطة، يكفي أن تعرف أن هناك الآف الورش التعليمية والثقافية خلال العام …

إلاّ إن تلك الميزة والتي أرى إنها فقدت الكثير من رونقها بسبب الغباء الذي يعشش في كل شبر في هذه البلد، مقابل أن هناك بلاد أخرى تستفيد من التجربة وتُصلح من نفسها..

ولكن ماذا عن الإنسان المصري نفسه؟

عندما كنت أكبر في السن ولكثرة سفري، اكتشفت أن هناك غباء وتوهة لدى المصريين خصوصًا في أمور تافهة .. منها مثلاً مَلأ ” الأبلكيشن”.

السبب ليس في المصري نفسه، بل هو بسبب التخلف العقلي في أي مصلحة حكومية هنا، تبدأ بقلق غير مبرر من أن هناك شيء ما مفقود وبالتأكيد هترجع المشوار كله علشان ورقة مش منطقي إنك تجيبها معاك النهاردة.

وهوووب تظهر علامات التوتر، يا ترى هل الطابور اللي أنا واقف فيه صح؟ مع إن يا مؤمن فيه يافطة على كل شباك .. ولكن مصر علّمتك إنه لاء يا حلو، مش معنى إن دا شباك وعليه يافطة يبقى هوّة اللى هيخلّص لك معاملاتك .. حاشا وماشا كمان !.. إنت لازم تسأل اللي أدامك واللى وراك – و اللي مش هيكونوا عارفين ومش متأكدين بالمناسبة -، وبعدين تقرر تتجاوز الأعداد الغفيرة أدام الشباك بس علشان تسأل هل الشيء – اللى أنت جاي علشانه – بيتعمل من الشباك دا؟.

دا لو تغاضينا عن كلمة “طابور” أصلاً .. لأن المصريين اتعوّدوا إنهم يقفوا بشكل شبكي على أي شباك زي العنكبوت، لأنهم مش عارفين الطابور اللى بيبقى طويل دا ممكن يتعمل إزاي أصلاً.

ولا ننسى القاعدة الشهيرة، لا خصوصية ..خصوصية دي حلم من أحلام اليقظة، آل خصوصية آل .. البس في اللى أدامك وإلزقه في الشباك، أو اقف إنت واللي جنبك احرسوه من الأوغاد لأن الدنيا ملهاش آمان ياسدحمد .. فلازم نحابي على بعض كدا ادام الشباك/ ATM علشان تلاحم قُوى الشعب العامل ! .

وبعدين هتجيلك أعراض “الفُرقع لوز”، مش عارف هل فيه أبلكيشن هتتملي قبل ما تهبط على الشباك، ولا أملاها دلوقتي، ولا أستنى والوقت يضيع … وتبدأ تاكل صوابع ايدك مع إن في أي بلد محترمة هتقف بكامل إحترامك، وتملأ الإستمارة بكل هدوء .. بس عيييب دا في مش في مصر، أنت عارف الوقت من دهب وكدهون !.

أهيه “الأبلكيشن” في ايدك .. تبدأ اعراض التوهة بقى .. مش عارف تكتب يا عيني، مش لإنك معتوه لا قدّر الله .. لاء .. بل إنت مش عارف تكتب إيه علشان “يناسب” الموظف اللى أدامك .. لأن دايمًا هوه ليه الجملة الشهيرة بتاعت “ليييييييييييييييييييييييييييييييييييه كتبتها هنا؟، ليه كتبت دا؟.. تؤ تؤ تؤ” وقفقفة بقى، لاء هنعيد الأبلكيشن من الأول..

أو تشطبها وتكتشف ساعتها أن دا خطأ تستاهل ضرب النار عليه أسهل من إنك تقدم لهم ورقة فيها شطب علشان أي خطأ حصل مهما كان.

فتلاقي المصري فعلا بيستغرق وقت طويل في أبلكيشن مياخدش ثواني .. بل بيسأل عن كل حاجة، حتى لو كلمة بديهية زي خانة” الاسم” .. فيسألني هل اسمي أنا لوحدي ولا اسمي كله زي البطاقة؟…

وإيه middle name دا .. قصدهم اسم الأب ولا أسيبه فاضي وأكتب بداية من اسم الأب لحد الآخر في خانة Last name

وبعد ما تخلّص، تبقى مش مصدّق، حاسس إنهم هيوقّفوا الطلب على أي حاجة هبلة ، فتقعد تسأل مرة وأتنين وتلاتة، إنه كدا تمام؟ .. كدا تمام وربنا؟ ..كدا تمام طيب؟ .. طيب إحلف…

وأهم مشاكل المصري، “فوبيا” أقسام الشرطة ورجالها … بتخلّيك خايف طول الوقت من كل شرطي بيمر جنبك.. حاسس إنه هيطلّع عليك كل عقده، هيتلكك لك، هيدفّعك مخالفة بشكل جُزافي .. هيعملّك مصيبة وخلاص، وممكن تقضي عمرك في سجن بدون محاكمة علشان كانوا مش لاقيين حد يشيل قضية وأنت حظك المهبب مرّيت من أدامهم دلوقتي..

رغم يا مؤمن إنك لما بتبقى بره مصر ومارتكبتش أي مخالفة للقوانين محدش هيقرّبلك، والشرطي هيمرّ جنبك عادي لإنه للمصادفة إنسان عادي جدا وبيمشي في الشارع … بل فيه دوَل كتيرة بتاخد في اعتبارها إنك لسّة جديد في البلد وبتاخد إنذار بس مع وعد بعدم تكرارها.

وفيه شوية حاجات زي “التأخير عن المواعيد” يُعتبر شيئ مُقدس عندنا طبعًا !.. أنا تقريبا قربت أقفّل سنة هنا وعمري ما قابلت حد جاي في ميعاده، أو حدث ثقافي أو أي حدث أصلا بدأ وخلص زي ما أعلنوا.. مفيش معنى للوقت خالص.. إهدار مبالغ فيه.

وكمان البلاهة، والتطنيش من كتر ما أنت شايف عك وغلط في كل حتة وتحت كل حجر زي ما بيقولوا، فلو فضلت تتشال وتتحط على كل حاجة هيجيبلك نقطة وتموت ناقص عمر أو تعيش مشلول ..

وطبعا دا يساهم فيه بشدة الصنايعية، بتوع مكاتب استقبال في أي مكان وأخيرا وليس آخرًا .. الكبير بتاعهم “خدمة عملاء” أي حاجة هنا، اللى مضطرين يشتغلوا مع أماكن يطلق عليها كذبا وبهتانا “شركات”، وآل إيه، شركات “خدمات” – ضحكة رقيعة علشان الموقف أكبر من إحتمالي صدقوني – فلازم يبقوا ولا أبرد من كهوف الإسكيمو علشان يتعاملوا مع الآف العملاء اللى بتعاني من “لا خدمة”…

لما كنت برّه، كنت إنسانة مفيدة في المجتمع وللإنسانية وليا وللكوكب .. كنت بشارك في حملات حماية البيئة، بستخدم ورق وأكياس قابلة للتحلل حتى لو أغلى سعرًا، برفض أستخدم الشفاطة/شاليمو/ماصة للعصاير وبشربه في كوب سيراميك من أجل البيئة والحيوانات .. بشارك في “يوم الأرض” دا غير إني مقتصدة في الكهربا والميه وموارد البيئة عمومًا .. بشتري حاجتي من الطعام والشراب على القد و بدون تبذير حتى لو عليها offer وعدد/ كمية أكبر من إحتياجي برفض شرائها… حتى التبرّع من أجل الله كان متنوّع لكل بلاد العالم، وأعرف مشاكل العالم حواليا وأدعو لهم وأشاركهم الدعم وقت الكوارث الكبرى وحملات الإغاثة … كنت ببساطة “إنسانة” … والحمدلله دلوقتي تحوّلت بقدرة قادر لـ” بتاعة”.

بحاول جاهدة أتنفس أصلاً وأبقى بني ادمة علشان بعد كدا أعرف أحافظ على الكوكب والحيوان .. مش قادرة أمارس عاداتي الغذائية ولا الصحية هنا.. فعلا بجاهد كإني في حرب .. تكلّم مين معلش على “يوم الأرض” والشخص بيعاني من قطع النور كل شوية؟ .. ولما يرجع،  بيرجع بحرق جهاز بالشيئ الفلاني علشان التيار العالي ..

إزاي أقدر آكل حاجات مش مُشبّعة بالمبيدات الحشرية؟ .. إزاي أقول للناس بطلوا ترموا الزبالة في الأرض ومفيش سلّة يتيمة في الشارع أو في المترو – اللى بقى بـ2 جنيه – ؟.. ولا إزاي أطالب الرجالة أنهم يبطلوا يقرفونا بالتبوّل في كل ركن من أركان المحروسة، وإحنا مش لاقيين حمام عمومي في الشوارع كإننا هننشطر ذاتيا لما تحتاج الحمام زي أي كائن حي ! … مينفعش تطلب من شخص بيجاهد في منزلة أدنى من مكانة “حيوان” علشان يطلع يبقى بني ادم وساعات بينجح وساعات لاء، أنه يبقى إنسان ويحترم البيئة والحيوان والكوكب، والبشر والوقت والكلام دا.

آه المبادئ مش بتتجزأ، واللى طبعه النضافة والإحترام المفروض يبقى كدا، بس الحقيقة دا مش صح ..إحنا بنحارب علشان تفضل فينا بعض الحاجات العدلة وعلشان منولعش في نفسنا بجاز… مع الوقت والعيشة كتير هنا، هتتحوّل لشخص متبلّد .. شخص غير مُبالي .. شخص مش فارق معاه أي حاجة، لأنه مافرقش مع حد.

إحنا كويسين من جوه، بس للأسف بنتربّى في بيئة تطمس إنسانيتنا وكرامتنا وبنتحوّل لأشخاص غريبة، لدرجة الناس بتستغربنا لمّا نسافر.

دا مش بوست سوداوي، عيييييب .. الحقيقة أسود بكتير.

Leave a Comment