بالامس في جولة “زهق” مُعتادة على التلفاز، توقفت عند قناة فتافيت لأشاهد حلقة برنامج Say Yes to the Dress الذي يعتمد على مجموعة من الخبراء والاستشاريين في مساعدة العروس في اختيار فستان زفاف ترغب فيه ويتناسب مع ظروفها المادية.
بعيدًا أن مشاهدة حلقة واحدة من هذا البرنامج قادرة على إصابتي بالإحباط لسنين قادمة، القصص التي نراها خلال هذا البرنامج هي البؤس ذاته .. فالحمدلله نستطيع أن نقول أن الغباء والتحكم ليس فقط حِكرًا على العرب بعقليتهم المُتحجرة، ولكنه داء بشري عقيم لا شفاء منه.
فالعروس تأتي وهي في حالة “حوسة ودهولة” لن تُصدقها الا لو رأيتها بعينك .. الفتاة لا تستطيع أن ترد على اسئلة مثل: هل تشعري أن هذا الفستان أحلى أم الآخر؟ هل تريدين تجربة شيئ آخر أم هذا يكفي؟
الأسئلة سهلة، ولكنها مُعقدة بشدة لي وللكثيرات، لأننا تربّينا في مجتمعات وأُسر تشكك في كل رأي تقوله، دائما أنت أحمق وعبيط ولا تعرف مصلحتك حتى لو كان في وجبة ستأكلها أنت لا هم …
تربّينا على العجز وأنه لا يمكننا أن نرى أنفسنا بشكل صحيح …
للأسف رأي عائلتك والمُقربين منك ومن حولك يؤثر في تكوين شخصيتك بنسبة كبيرة .. ومحاربة تلك الصورة شيئ فعلا صعب ويحتاج مقدرة نفسية وقوة وصفاء داخلي، يجعلك تستطيع أن ترى نفسك الحقيقة بدون شوائب وقاذورات الآخرين …
لأنه كيف يمكنك أن ترى نفسك رائع وجميل وكل من حولك “بيهبدك” كلام مقرف عن كونك “تخين \ة ” .. “الفستان دا بشع عليكي” .. “ايه التسريحة المعفنة دي” .. “شعرك دا مخليكي عندك 100 سنة” … الخ من ذلك القرف الذي يلقوه في وجهك.
العروس تأتي للبرنامج مع الساحرات الشريرات .. نعم، هنّ شريرات فمن المستحيل أن يكونوا عائلة وأصدقاء طبيعيين يحبوك فعلا …
بالتأكيد جزء كبير من وجودهم هو لـ”فلفلة” البرنامج وزيادة البهارات، وبالتالي زيادة نسبة المُشاهدة، فمن ضمن كلاكيعنا وعُقدنا البشرية هي الهوس والعشق الأبدي بمشاهدة القهر والهلع والكراهية على التلفاز، لكي تشعر أنك لست الوحيد في هذا النكد بل هناك من يتعذب أيضا ..
ولكن للأسف لو نظرنا للموضوع بشكل أوضح، سنجد أن معظمنا يملك هؤلاء الكائنات الكريهة، فتكون وظيفتهم هي التنكيد عليك في الرايحة والجاية، وللأسف هم كالسرطان ليس من السهل التخلص منهم الا بالاستئصال.. ولسنا جميعا نملك القوة لنفعل هذا .. فلقد تربينا جيدًا أن نعتبر الإهانة والتهزيق شيئ طبيعي من مُفردات حياتك اليومية.
تدخل العروسة الشابة وهي ترتدي فستان زفاف أبيض، مُغطى بالكامل و بأكمام، لأن والدتها ترغب في هذا – ظننت هذا واضحًا – ..
الفتاة لا تطيق الفستان ولكنها ترتديه، وتخرج للقاعة حيث أمها المُبجلة وأصدقائها.. تنتظر تعليق أمها التي تنظُر لها بكل قرف، وتخبرها أن الفستان يبدو قذرًا كوْن الاوشام التي تملأ جسد العروسة تظهر من تحته.
إذن نعرف الآن لماذا الأم كانت تبحث عن فستان بهذه المواصفات، لكي تتأكد أن الأوشام لن تظهر أبدًا …
فيحاول الاستشاريين ايجاد حل، فطالما تغطية الأوشام باءت بالفشل، فالأفضل هو اظهارها كاملة ووضعها في أحلى اطار ممكن، فقد يُغير هذا رأي الأم وترحم الفتاة في تلك الليلة السوداء …
لذا كان فستان زفاف ياباني رقيق التصميم ، بلا ذراعين ويُظهر وشم القلب الذي يحتل منطقة القفص الصدري لدى العروس .. لقد كانت بهية، خلابة ولقد أحبته للغاية وخرجت مُشرقة للقاعة لتواجهها نظرة قرف من الساحرة الشريرة ، اقصد أمها …
لقد جعلت العروس تبكي .. لقد كانت الفتاة تتمنى أن “تنظر” أمها لها وتخبرها أنها “جميلة” .. إنها رائعة مهما كان نوع ولون وشكل الفستان .. أن “تراها هي” ولا تختصرها في أوشام تراها الأم قبيحة الشكل … لأنه ببساطة لا يوجد فستان في العالم سيجعلها جميلة طالما تُصر الأم على التركيز على الأوشام.
تلك الأم لا ترى ابنتها من الأساس، بعيدا أن جسد الفتاة خاص بها وليس لحضرتك أو لغيرك رأي فيه ..
ولكن لماذا لم تسأل تلك الأم نفسها ماذا رسمت ابنتي على جسدها بالضبط؟ ..
كان وقتها يمكن أن ترى قلب كبير ينبض بالحياة .. هذا النبض تتفرّع منه أجنحة وألوان على الأكتاف .. تلك الفتاة تعبر عن ما بداخلها في شكل رسومات، على أمل أن يأتي اليوم الذي تُشفي فيه أمها من العمى الذي أصاب قلبها قبل عينها ويمكنها أن تراها .. ترى تلك الفتاة حقًا.
لقد حاول الاستشاريين تهدئة العروس الباكية والمُحطمة ودعمها وإخبارها أنها جميلة .. ولكنها كانت تبكي أكثر، فلقد كانت تسمع تلك الكلمات من آخرين وتلك السيدة التي بالخارج التي تحمل نفس الدم، والصفات الوراثية لم تُكلف خاطرها بقولها حتى من باب المُجاملة في مناسبة هامة كتلك.
كالأم والأب الذين يلقون “الطوب” مع كلماتهم عندما يخاطبون ابنائهم .. ويزدادون حماسًا وقسوة عندما يأتي ابنهم / بنتهم على غير المتوقع من وجهة نظرهم .. ليسوا كما رسموا وخططوا لهم .. فلقد كتبوا رغباتهم في البضاعة التي يرغبون في استلامها ويتوقعون أن تأتي كما أرادوا وكما هو موجود في “كتالوج” الأبناء.
أنا أردته ولد وليس فتاة .. أنا ابني مستحيل يكون مثلي Gay .. ابنتي ليست مُصابة بالتوحد … الخ من القوالب التي يضعها الأباء والأمهات في ذهنهم عن “الأبناء السوبر wow” لكي “يستمر اسمي” – على أساس أنه نيوتن فخايف علمه يضيع يا عيني – …. لكي “يعرف جيراني أن ابني متفوق ورائع ونظيف ومهذب”.
لو سمحتم لا تخبروني إنها محبة .. الذي يحب يقبل الإنسان كما هو، لا يُشكله على مزاجه… مع توضيح بسيط لحضرتك، الابناء هم صفات حضراتكم الوراثية، فلو أنت تشعر بالقرف منه .. فالأفضل والأجدر أن تشعر بالقرف منك أنت شخصيا، فأنت الأصل الذي خُلق منه الطفل.
الله يحبنا كما نحن، كما خلقنا بكل ما فينا .. ويقبلنا كما نحن… فهل أنت أكبر وأفضل من الله الذي تُصدع رأسنا به؟ .
إتركوا ابنائكم يطيروا بأجنحتهم التي خُلقوا بها .. يلوّنون العالم بألوانهم الخاصة .. اتركوا ذكرى محبة في قلوب ابنائكم، لا تخلِطوا وجودكم بالجرح والألم .. كونوا الدعم والمحبة والخير في حياة ابنائكم .. فالفروع تحنّ للأصل .. عندما تزرعون الكراهية صدقوني لن تجنوا سوى السُم.
اتهدّوا بقى .. هتاخدوا حياتكم وحياة غيركم، زهقتونا !!!




Leave a Comment