دائما ما نتجاهل عقل الأطفال وطريقة تفكيرهم بدعوى “إنهم ببساطة اطفال ولن يشعروا بشيئ، وسينسوا”
نظن إنه بالكذب عليهم يعني أننا نحميهم من الألم، أن ما يشعر به من وجع هو مجرد حالة عرضية ستنتهي طالما إنني أقوم بكل هذا من أجله لكي يكون بخير .. هو لن يكون بخير عندما تخدعه، لن يكون بخير عندما يعلم أن أقرب الناس إليه يكذب عليه لسبب غير مفهوم… لا يوجد مُبرر للكذب وللخداع… بيدك تزرع في أرضهم الخيانة والكذب والخداع.
الحقيقة التي ننساها هي إن الطفل يُولد ككتاب أبيض، وأنت تملأ هذا الكتاب، كل شيئ نقوم به مهما كان صغره يوضع هناك ويُحفر .. لا تُقارن نفسك بالطفل، فأنت – كـ بالغ – كتاب كُتب به بالفعل آلاف الصفحات فمن المستحيل أن تذكر حرف صغير وضعته وسط كتابك ولكنه بالنسبة لذاك الطفل الصغير، أنت تُنشيء أبجدية ومفاهيم من الصفر.
في حملة تطعيم ضد شلل الأطفال، كنتُ متطوّعة للعمل في أحد المراكز الطبية، وهناك وجدت معظم الأمهات يكذبون على أولادهم ويخبروهم إنهم سيتناولوا “عصير فراولة” .. ولكن الحقيقة أنهم لا يلاحظون ترقّب الطفل لما يحدث، يرى إن هناك عائلات تقتاد أولادها لغرفة ما، ثم يسمع بعدها صرخات الأطفال ويراهم يبكون، والكبار يتجمّعون على الطفل يحاولون حشر شيئ في فمه ..
فلا تُخبرني حينها إنه سيكون بخير بعد كل هذا، بل أنت ببساطة برمجت عقله أن عصير الفراولة طعمه سيئ، مُلتحمًا بتلك الذكرى المخيفة .. حتى حينما يكبر وسيشرب عصير الفراولة بشكل طبيعي بالنسبة لك، ولكن بداخله سيظل هناك شعور بعدم الإرتياح ينتابه، شعور مبهم بالخوف غير المُبرر في تلك اللحظة.
بما يُسمّى في عِلم النَفس بـ “الإرتباط الشَرطي” !
اقتربت من طفلٍ صغير يبكي بشدة ونزلت على رُكبتيّ لأكون في مستوى بصره وقريبة من طوله، وحاولت أن أُكلّمه بهدوء مُخبرةً إياه… لماذا تبكي.؟. فلا يجيبني.. فسألته إن كان ما يجري يخيفه؟ .. نظر لي قليلا ثم تكلم، قال لي “ما بدّي”
سألته حينها: “أتعرف ما هذا يا ترى” أشير للدواء … أنه دواء يعطوه للأطفال لكي يكبروا وهم بخير ولا يتعبوا ..
بدى على ملامحه الإهتمام بكلامي وتوقّف عن البكاء، أخبرته أن الدواء لوْنه وردي وطعمه مُر .. لكن ألا تريد أن تكبر وتصبح مثل بقية الكبار؟ …
لقد أحببت رغبته في الفِهم وتأكيد أن الأطفال تفهم وتستوعب فقط تحدثوا إليهم ولا تظنوهم صغار لن يفهموا .. ولكن للأسف أم الطفل وكذلك المشرفين لم يكن لديهم رغبة في الاستماع ولا وقت لديهم على ما يبدو للإهتمام بنفسيّة الطفل، مُسارعين بإنهاء عملهم بأي شكل كان .. وقد بكى الطفل كثيرا .. صرخ بكل طاقته والأيادي تمنعه من الحركة .. أكُل هذا من أجل دواء؟!!!!
لقد إهتممت أنا وزميلتي في التطوّع بإيجاد طريقة لجعل الأطفال تتوقف عن كل هذا البكاء، فدموعهم غالية للغاية .. دموع رقيقة صافية .. لذا إشترينا مجموعة من المُلصقات الصغيرة على هيئة شخصيات كرتونية مشهورة، وكنا نضع أمام الأطفال الملصقات وهم ينفطرون من البكاء، فيبدأوا في النظر للألوان وللأشكال، ونختار سويا ماذا يريدون منها، لأضعها على ظهر أيديهم الصغيرة، وأخبرهم إنها شيئ جميل مثلهم لأنهم كانوا أقوياء وتناولوا الدواء .. كانوا يتركون آثار دموعهم على الخد وينشغلون بتلك الهدية الصغيرة التي تخبرهم إن كل شيئ مرّ رغم الألم، وإنهم كانوا أقوياء.
أرجوكم إهتموا بتلك الأشياء الصغيرة والبسيطة، فهي ستظل ذكرى بداخلهم للأبد، حتى لو إرتكبنا الأخطاء فيمكننا أن نتراجع سريعًا وندعمهم .. لنُخبرهم إننا نحبهم بصوت عالٍ، فنبذل الجهد لكي نقنعهم بهذا فلا تصبح مجرد كلمات نقولها لكي ننام مُرتاحي الضمير وينتهى الأمر… فهم أغلى من هذا، هم هدايا من الله على هذه الأرض.




Leave a Comment