::Photo credit goes to its owner::/ مصدر الصورة: هنـــــــا
“يا الله .. امنحنى السكينة لأتقبل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها …
والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها …
والحكمة لمعرفة الفرق بينهما …”
مرّ شهران تقريبًا على زيارتي المؤسفة للطبيبة النسائية ، والتي كانت في شهر مايو الماضي …
كان ذلك بُناءً على رغبتي، بل كان اصرارًا هائلاً ومُلحًّا، غير مُبرَّر لغيْري … يُخبرني الكثيرين ” لماذا كل هذه الضوضاء؟، لتنسيْ ! .
ولكن مَن قال إنني بإنتظار اقتناعكم أو مباركتكم لهذا؟
لقد كنتُ أريد أن أعرف .. أريدُ أن أفهم ..أريدُ شيئًا ماديًّا ملموس يوضع أمام عيْني ويخبرني أن ما حدث كان حقيقة .. وأنها لم تكن أوهامًا صنعها عقلي ببراعة كما يفعل دائما ليحميني من أن افقده بسبب واحدة من تلك الحقائق المؤلمة.
وكما طلَبتُ، اُجِبت.
– حاسّة بإيه؟
– مكسورة……
دا طلع الكسر بيوجع … بيوجع أوي .
عِياط ساعة ونص مع معالجتي النفسية.. انفجار بعد أسبوعين مش بتكلم ومنزلتش منّي دمعة .. دلوقتي مش قادرة أعمل حاجة غير إنّي أعيط بس …. مش قادرة أفكر .. مش قادرة أقول حاجة، أي حاجة .. دماغي بتدور في الفراغ .. وجوايا حاجة بتئن من الوجع .. بتوجعني لدرجة إنها بتنفجر من أوردتي وبتخرج من جلدي ، وكأن كل حاجة بتؤكد لي إن دا وجع ..وجع حقيقي.
– “وجعاكي ؟ “
– أهز راسي إنه أوي أوي .. وأعيّط .. وأفضل أعيّط …
من خوفها عليّ ضمتني لحضنها في محاولة لتهدئتي،كنت في حضنها بعيّط وبرتجف.
وأخيرًا توقّف البكاء بعد ما خارت قوايَ، فعُدت وأرتديْت قناع الصمت والجمود – أكثر وجوهي استخدامًا منذ صغري – ونزلت للشارع لكي أكمل حياتي … حياتي التي بدأت أسوارها الواهية – التي بنيْتها حولي على أمل حمايتي، وأن تغدو حينها حياةً مثل الباقين – في الإنهيار … فكانت بداية الإنهيار هيَ لحظة نبش الماضي لنكتشف أن الجروح القديمة ممتلئة بالصديد والإلتهابات .. وحاليًا يتم التنظيف .. يجب أن أظل قوية حتى تُفتح كل تلك الجروح وتُنظّف بالكامل.
بعد خطوة مُصارحة طبيبتي النفسية بأسراري المُوجِعة ، والفيلمين الوثائقين الذان كانا لحظات فارقة في حياتي .. قررتُ بعدها أن أُكمل الصورة مهما كان ..
كان لازم أروح أكشف على مكان الختان .. كان لازم أعرف خدوا مني إيه .. وخدوا قد إيه .. كان لازم تنكشف المنطقة اللى فضلت مقفولة لسنوات ولا أجرؤ إن ايدي حتى تلمسها بالصدفة أثناء الاغتسال.
ذهبت وحدي لطبيبة نسائية، وشرحت لها حالتي، وأخبرتها برغبتي …
بعد نظرات الإستخفاف والدهشة التي رمقتني بها أخبرتني : “إنتي مكبّرة الموضوع، على فكرة أنا عندي مريضات مُختانات متجوزات وعندهم أطفال و “بيحسّوا” – تقصد الشعور بالمتعة الجنسية يعني –
إنتي بس اخرجي، حطّي ماكياج وحبّي واتجوزي وشيلي الفكرة دي من دماغك .. كإنك وقعتي على رجلك ونزل شوية دم مكان الجرح وخلاص بقيتي كويسة “.
“وإنتي عذراء وممنوع يتم الكشف على المنطقة دي، لازم تروحي للطب الشرعي هو الوحيد المسموح له بالكشف عليكي ..”.
ابتلعتُ الإهانة والذهول من كل هذا الغباء، ومن إنه لكوْنها إمرأة وعربيّة لا بدّ عاصرت القهر والغم الذي نعيشه، كان من المتوقع أن تفهم حالتي أكثر من أي شخصٍ آخر ! …
أخبرتها في إصرار إنني أريد الكشف وأن أرى المكان بنفسي، فهذه هي المرة الثانية التي ستُكشف تلك المنطقة بعد المرة الأولى التي كانت في الختان.
فهذا جزء من جسمي يضم نشاطات حيويّة كثيرة لا أعرف عنها أي شيء ولا أفهمها ، ولا ألمسه ولا حتى أراه.. منطقة مُحرّمة بالكامل وإنه ” أوف ستحرقك ايتها الطفلة لو إقتربتي منها، ألم تتعلّمي درسك بعد كل هذا؟!!! “
طلبوا منّي خلع ملابسي الداخليّة ثم الإستلقاء على سرير طبي، وثبّتوا ساقيّ بعد رفعها على مساند تُشبه تلك التي تظهر في الأفلام عندما تلد إحدى النساء.
وسط هذه اللامبالاة قالت لي بملل ” إنتي مختونة فعلاً، شالوا البظر كله وضموا الشفرات الصغيرة لبعضها بخياطة وبقى صعب نشوف المكان الا لو فكينا الخياطة ، اتبقى بس الشفرات الكبيرة …..”
هكذا قالتها .. قالتها وانتقلت لنقطة أخرى عن إنه يجب أن أنسى وإنه وإنه .. كأن ما قالته منذ قليل كان النشرة الصباحية للطقس.
حتى إنها لم تكن مهتمة أن تطمئن علىّ بعد أثار الألم الجسدي الذي أحدثته الآلة المعدنية التي أدخلتها عنوة بداخلي والذي صاحبه صُراخ شديد من قِبلي .. والذي ظل يؤلمني أيام ومصاحب لنزيف ،وتملكّني الخوْف ، إنه” إيه دا؟ ، إيه اللي بيحصل ؟”.
كإن علشان أكتشف ألم الخِتان كان لازم يصاحبه ألم لكوي الجُرح ..
ألم قديم وألم حديث .. وحيرة وخوف و توهة .. الموضوع مختلفش كتير .. بس المرة دي كان بمزاجي وأنا اللي طلبته بنفسي.
بسبب أسلوبها الحقير في الكلام والتصرّفات ، لم تُنفّذ طلبي أن أرى بنفسي مكان الختان …
طالبت بتقرير يوضّح نتيجة الفحص لا أكثر ولا أقل، أريد شيئ موثّق في يدي يخبرني أن هذا كله حقيقي، فأقرأه مرارًا وتكرارًا لكي يستوعبه عقلي …
أصبحت الغرفة مُثقلةً بالطاقات السلبيّة والوجع ، ولم أعد أستطيع تحمّل كلمة أخرى منها، خرجت ببطء بسبب ذلك الألم الرهيب الذي أحدثه الكشف، لم أخبرها أن هناك دماء، هي لم تهتم من الأساس .. كنت أريد المغادرة فحسب.
فجأة “قناع” التحمّل والتعايش – اللى كنت بلبسه طول الوقت – وقع وبقيت دبلانة، زي الوردة اللي خدوا منها كل مظاهر الحياة و سابوها مرميّة مِصفرّة … عيوني ميّتة .. ماشية بالقصور الذاتي.
كنت تعبانة و موجوعة؛ لو كان دة الوصف الصحيح للي أنا حسّاه وسط كمية المشاعر الكتيرة اللي جوايا دلوقتي.
متألّمة إنّي لسّة عايشة وببص كل يوم في عيون اللي آذوني بدل المرة ملايين المرات، بسمعهم، ومازالوا وبيؤثروا عليّ وخانقين حياتي بين إيديهم.
بابا وماما – كتّر خيرهم (إيموشن ساخر) – حاسّين إني مش طبيعية وبيسألوني “مالك … ليه بطّلتي تتكلمي وتاكلي ونشربي؟ .. ليه عيونك حزينة ؟.. ليه طول الوقت نايمة في سريرك .. عيانة؟ “
اللى مايعرفهوش إني حتى مش قادرة أعيّط من كتر الوجع .. طاقة هائلة من الألم جوايا …. طاقة بتحاول تطلع بس مش قادرة فبتدور حوالين بقايا كسوري وتفضل تدور وتدور .. وتوجع أكتر .. دا طلع الجرح لسّة فيه الروح.
بسأل نفسي “هو أنا ليه مقهورة أوي كدا ؟ مش إنتي عارفة إنه معمولك خِتان، هو صحيح مكنتيش تعرفي خدوا قد ايه؟ خدوا ايه ؟ والمكان تحديدًا .. بس مش مشكلة يعني .. مش للدرجة اللى انتي فيها يعني”.
بس اللى قالته ليّ الدكتورة بكل استخفاف وسُرعة علشان الموضوع مش مهم، واللى بيقوله أي حد يعرف عن تجربتي ويخبرني بدهشة : “إني مكبّرة الموضوع أوي ومتخلهوش يسيطر على حياتك، دي حاجة حصلت وخلاص وإنسى” ..
كإني صاحية ونايمة مش بقول غير” الختان، الختان “، أو نازلة الشارع ناكشة شعري بصوّت ومقطّعة هدومي !
الحقيقة إني مش قادرة أنسى .. مش قادرة .. أنسى إيه طيب؟ .. مش أفهم الأول علشان أقدر أتعايش من الحقيقة دي؟.
فضلت جوايا سيناريوهات مكتومة مش قادرة تطلع ولا أنطق بيها، عن إني هروح وهصوت لأمي وأبويا وأقولهم إنتوا السبب .. إنتوا مجرمين .. انتوا عذبتوني وكسرتوني وقهرتوني وعرّتوني ودُستوا على كرامتي وإنسانيتي لما سمحتم لنفسكم إنكم تقدّسوا شوية “مُعتقدات وتقاليد” مقرفة على حساب بنتكم …. رميتوني وسط ناس انتهكت خصوصيتي وكرامتي لما مدّوا ايدهم عليا .. قتلوني لما قطعوا وخيّطوا كإني حتّة قماشة مش بني أدمة.
كنت هنفجر فيهم وأقولهم “مش حسامحكم ابدًا .. هفضل شايلة وجعي لحد ما اروح لربنا واقوله .. هقولّه ياااااااا رب شوف عملوا فيّ إيه؟ .. شوف دمروا حياتي ونفسيتي ازاي؟ .. يارب، بيكدبوا وبيقولوا انك إنتَ اللى طلبت منهم دا، إنك مش بتحبني انسانة كاملة زي ما خلقتني ، إنك عايز تكسر عيني وروحي … خدلي حقي منهم يارب”.
هو سبحانه اللى عارف أنا حاسة بإيه .. هو اللى عارف مدى الألم اللى جوايا والضياع اللى أنا حاسّة بيه … المهانة اللى بقت من ضمن كياني وتركيبتي .. إنه مرفعش عيوني واعيش زي بقية البنات “الكاملين” اللى أهاليهم كانوا “بيحبّوهم بجد”…
فجأة ماما بتسألني بعد أيام بتحرك فيها بالزق كدا علشان أعمل اللى ربنا طلبه مني من رعاية لهم كما أمرني .. بدون ولا كلمة ولا شعور .. مجرد آلة بتعمل وخلاص.
– “إنتي زعلانة منّي يا حبيبتي ؟”
كنت عايزة أصرّخ وأقولها : “متقوليييييييييييييش حبيبتي .. متقوليش بنتي .. انتوا كدابين .. انتوا بتكرهونا .. بطلّوا كدب بقى”.
بس كعادتي في إظهار فُتات من اللي بحس بيه وبعانيه قلت لها ” زعلانة منك بس؟ دا انا زعلانة منكم كلكم … مش زعلانة علشان حاجة واحدة بس .. بل حاجات …. أنا كَشفت وعرفت … عرفت انتوا عملتوا ايه في الختان”
قعدت تقولي وتشرحلي إنه ” انا قلتلكم قبلها” .. أنا ودّيتكم عند دكتورة .. أصل البظر كان وإن وإن
– “بس .. بس .. مش عايزة اسمع منك تبريرات”
– “اتكلمي كويس يا بنت … انا مش ببرّر أصلا ولا قلقانة من حاجة علشان أبرّر لها .. إنتي بس عايزة تتكلمي ومتسمعيش .. عايزة بس تعيّشي نفسك في مأساة وتحمّلي على نفسيّتك “
– ” مش عايزة اسمع منك حاجة .. اعرفي بس اني مش هسامحك … تعرفي؟ السخرية إنك قلتي اللي أنا كنت متوقّعاه منك بالضبط .. بتبرّري إنك قد ايه أم رائعة … إنتي حتى مسألتيش السؤال الطبيعي اللي مفروض يكون أول حاجة تتقال في مواقف زي كدة ، “هو أنتي عاملة ايه؟ وجعتك؟ حاسه بإيه ؟” الكلام اللي عايزة تقوليه ، قوليه أُدام ربنا مش ادامي .. اقعدي ساعتها وضّحي وبرّري وفسّري وقولي اللى نفسك فيه .. أنا خلاص”
كنت عايزة أقول كلام كتير أوي .. كنت عايزة أصوّت وأعيّط بأعلى صوت .. أصوّت أوي .. أقطع جلدي علشان صرخات الوجع تطلع منه تصم الدنيا كلها .. اطلّع فيهم كل طاقة الغضب والقهر.. كنت عايزة أصوّت لحد ما صوتي يروح .. أصوّت لحد ما اتفكك لقطع يمكن أعرف أعيد تركيبي بدون ما يكون الوجع جزء أساسي في التركيبة دي…
كنت هقولّهم مش عايزة أشوف وشكم تاني ولا اسمع صوتكم ولا حتى صوت تنفسكم .. إنسوني خالص .. انتوا مخلّفتوش من أصله .. انا بس قاعدة لحد ما ألاقي شُغل ومكان أسكن فيه ومش هتشوفوا وشّي تاني …
لكن ماقُلتش …وفضلت كل حاجة محبوسة جوايّا زي ما هيّ !
حسّيت إن مفيش فايدة .. حسّيت إن صوتي مش لاقي داعي يطلع .. مكسور لدرجة انه مش قادر حتى يطلّع اللى جوّة الجسم دا من ألم.
رغم إني طول الوقت من صغري حاسّة وعارفة إني يتيمة ، بس كان أول مرّة أحس ببرودة وقسوة اليُتم ، وإني أشوف الأهالي بيعاملوا ولادهم كويس وكما يجب ، فأحس بالحرمان وتحنّ نفسي إن أبقى مكانهم
الغريب ان الوجع مش بيخف، الغريب ان الكسر واصل لروحي .. بتحرك زي الموتى الأحياء …
بيقولوا هتاخد وقتها وهتعدّي …
يارب ، يارب ، يارب




Leave a Comment