سنواتٌ طويلة لم يعلم أحد عن قصّتي شيئًا ، حتى أنا شخصيًّا ، فلقد وضعت ألمي وكرامتي وبشريّتي المحطّمة في صندوق صغير وأسكنته الزاوية المُظلمة من عقلي .. كنت أشعر إنه يجب عليّ ذلك والا فقدت عقلي .. فأنا وحيدة، مبعثرة ومُهانة ..
بدون أن ينطقوها بأفواههم؛ كان كل ما يفعلونه يُخبرني أن ما حدث هو نتيجة خطأ رهيب إرتكبته وهذا عقابي الذي عليّ تحمّله وحدي وألاّ انطق بكلمة حتى لو كانت “آه” .. بل عليّ حُب وتقديس مَن مزقوني ولم يرحموا ضعفي وارتباطي بهم….
وهاقد قامت طبيبتي النفسية بكشف مخبئي المُظلم كاسرةً الأقفال على ذاك الصندوق الصغير ، وفجأة وجدت نفسي أمام الحقيقة التي سطعت في وجهي، وأعماني نورها وجدّدت جلدي فعُدت أشعر بالألم، وعرفتْ الدموع طريقها إلى وجنتيّ، دموع الوجع .. مُطلقةً الصرخات الحبيسة لسنوات …
لماذا أكتب الآن عن تجربتي؟ بينما الأمر صعبٌ للغاية لو كنتم تعلمون، صعبٌ لدرجة تحطّمي واعادة هيكلتي في كل مرة أتكلم فيها عن الأمر..
ولكنّي أردتُ أن أفعل هذا من أجل الفتيات الأخريات الموجودات في هذا العالم .. الفتيات اللاتي فقدن صوتهنّ وكرامتهنّ وإنسانيتهنّ ما بيْن ضربة المشرط وإراقة دمائهنّ ، لأجل خُزعبلات وتحكّمات ختمها الآخرين على أجسادنا لكي يُعلنوا للعالم أن بناتهنّ مجرد أملاك يتم صناعتها وتعديلها لكي تروق للزبون.
أردت أن أُسمِع تلك الفتيات القصة التي لا يستطيعون حكايتها، أردتُ أن أعبّر عن آلامنا بصوتٍ عالٍ، أردتُ أن أخبرهم أنكُنّ لستُنّ وحيدات بل هناك مَن يشعر بكُنَّ … أنتم لستم عارًا ، ولا فاسقات ويجب تهذيبكم، أنتم لستم لعنة .. حتى لو قُدّر لنا أن يحوّلونا من “مخلوقات كاملة” مصنوعة من روح الله لمجرد “نصف إنسان” .. فنحن سنظل مخلوقات بديعة.
فإسمحوا لي أن أحاول أن أستجمع نفسي وأُدخلكم لعالمي لتروا قصتي، متمنيةً أن تكون كلماتي هي الصرخات التي تريدون إطلاقها، أن أكون الكلمات الأولى لتُكملوا أنتم القصة.
آملةً أن تصل لأشخاصٍ آخرين .. يمكنهم أن يشعروا ولو لحظة بتلك المأساة التي يخطّوها في حياة طفلتهم الصغيرة.
سأتحدث عن: التوهة وعدم الفهم، المشاعر المتناقضة ، الخوف، الخيانة، الشعور بالعجز كوْنِك لا تستطيعين حماية نفسك ، وغيرها الكثير.
إنّ الخِتان سيظل موجود طالما لا نتكلم عنه نحن بأنفسنا، تاركين الآخرين يكتبون عنه بإستخفاف وتهميش لوجعنا بالتركيز على أمورٍ ساذجة، لتضيع مُعاناتنا ما بيْن أرقام صمّاء وإحصاءات بدون قوانين حقيقية تُرجع لنا حقوقنا، بدون أن يعرف الجميع قصصنا ويسمعوا الصرخات التي حُبست بداخلنا.
هيَ كلمات لا تُعبّر عن كل ما شعرت به …. ومهما حاولت فهو جزء بسيط لا يُساوي 1 على 10 مِن الذي يتصارع داخلنا.
ولكني سأتحدث كأن الكلام والأحرف ستنقرض الآن .. سأتحدث بكل قوتي ..
طبيبتي تُخبرني أنه مع الوقت سأستطيع عرض قصّتي بشكل أفضل، مُعبّرةً عن كل فتاة عانت مثلي.
وهاأنذا أبدأ حكايتي ..
مُتحلّقين حول التلفاز نشاهد ذلك الفيلم العربي الذي استأجرته…
وها هو مشهد الطفلة التي يتم حفر أسوأ ذكرى في حياتها بمباركة العائلة والمجتمع والتقاليد..
“مشهد يتكرر تقريبًا في أغلب الأفلام والمسلسلات العربية بدون أي فائدة تـُذكر .. فمازالت عمليات الخِتان تتم تحت سَمع وبَصر وعِلم الجميع ولا يوجد حل لهذا الأمر” هذا ما قلتهُ بعصبيّة محاولةً إلهاء نفسي بالمشاهدة حتى لا أتذكر ذاك الألم…
فتُجيبني إحدى صديقاتي ” إنه مجتمع عقيم ولكن هناك مَن يحمى بناته من هذا الجنون.. كـ مثل حالتي “ مع همهمة مُوافِقة من صديقتي الأخرى لألتفت اليهم في صدمة وذهول وقد عجزت الكلمات عن الخروج من فمي ..
أيوجد حقًا مَن لم يتعرض لتلك الحادثة ؟
من نظرة الذهول على وجهي عرفوا فورًا إنني إحدى الضحايا .. ساد الصمت بيننا ، ودون أن تلتقي عيوننا عاودنا النظر إلى التلفاز محاولين إزالة تلك اللحظة التي جمعت حرَج المفاجأة والاستنكار معًا ..
لم أعد أرى ما يُعرض أمامي حيث طغى بداخلي صوت “إذًا .. لماذا أنا ؟ “
وها نحن بعد سنوات في اجتماع بين أصدقاءٍ آخرين ونقاشات من هنا وهناك .. طُرح سؤال استنكاري ” تُرى مَن الذي يمكنه ان يحصل على هكذا تجربة ؟”
هنا وجدتني أرفع يدي عاليًا جدًا وسط ذهول أصحابي الذين لم يستطيعوا نُطق حرف.
لأرسم ابتسامة ساخرة مريرة على شفتيّ ، فلقد عرفت الاجابة هذه المرّة أيضًا.. أنا الوحيدة بينهم التي نُفّذ فيها هذا العقاب..
رفعتُ عيني نحوْهم مرةً أخرى في اصرار، لأجد نفسي حينها أتحدث عن الأمر لأول مرّة بعد مرور عُمر طويل لم أسمح فيه لتلك الذكرى بالخروج والإفصاح عن نفسها، وهاأنا في سِن الثلاثين قررتُ أخيرًا أن أفعل، ولا أعرف سبب هذا القرار المفاجئ .. كنت أحكي بالتفصيل ما حدث معي .. لم أنتظر أسئلتهم .. فلقد فتحتُ الباب للذكرى لتخرج محطّمةً ذلك الجدار الذي نسجَتهُ روحي في تلك الليلة المشئومة.
تلك الليلة وغيْرها قابعة في ذاكرتي تتحدى الزمن .. لا تُخدش، حاضرة في كل وقت .. إنها لعنتي أن أظل أسيرة لها للأبد.
حكيْت لهم كيف بدأ الأمر في يومٍ عادي من أيام طفولتي ، تقريبًا في سن الحادية عشر .. حيثُ كنت ملاكًا صغيرًا لا يعرف عن الأمور حوله أي شيئ .. البداية كانت كِذبة .. كعادة عائلتي في احتراف الكذب عليّ.
دفنتُ خوفي وحيرتي في قلبي الصغير مُساقة لمصيرٍ لا أعرف عنه شيئ، كنتُ أشعر برغبة في البكاء بسبب ذاك الرعب الغامض الذي يجتاحني، وشعوري أن هناك شيئًا مُخيفًا سيحدث، ولكنّي كنت أحاول أن أتلمّس لنفسي الهدوء كوْني مع أمي وجدتي..
دخلنا لعيادة صغيرة مُلحقة بمسجد أو “مستوصف” كما كانوا يطلقون عليها … كل ما فيه كان ملوّنًا بالأبيض ..
خلال سردي لأصدقائي، كنتُ أرى مشاهِد تلك الحادثة أمام عينيّ حاضرة بالكامل، وكيف تسربت رائحة تلك العيادة لتملأ انفي كأنني الآن هناك بالفعل ..
لا أعرف الشارع ولا اسم “المستوصف” ولكن لدي ثقة إنني عندما سأمشي في الشوارع سأستطيع تمييزه تمامًا من بين كل شيئ .. رائحة البشر هناك .. رائحة الهواء .. رائحة الحوائط ورائحة الكراسي… فمازلت أذكر رائحة كل شيئ.
كان الإنتظار طويلاً خارج الغرفة ذات الباب الأبيض .. كان انتظارًا مُختلطًا برائحة الألم والوحدة وصوت التلفاز الذي كان مرتفعًا لمحاولة إلهاء الناس عن مصدر تلك الرائحة .. كنت أتمنى لو أعرف ماذا يوجد بالداخل لتهدأ دقّات قلبي التي تتسارع عندما يقترب ميعاد دخولنا … ولماذا مَن يدخل من تلك الغرفة لا يخرج منها؟.
فجأة انفتح الباب ونادوا على اسمائنا أو هكذا أعتقد، فلقد وجدتُ نفسي أمام الباب في ازدحام مع اُناسٍ آخرين، طفلات وسيدات، والجميع يتكلم في آنٍ واحد بينما يتم دفعنا للداخل .. دخلنا 4 فتيات دفعة واحدة لغرفة واسعة ، كانت الأسرّة الطبيّة متراصّة على شكل دائري .. كأنها موائد قرابين.
أراهم يأخذونني بقوة وانا متشنّجة بينما رقبتي تكاد تُكسر وهي ملتفتة للخلف من كثرة تثبيت نظري على أمي
أن ” ماذا يريدون يا أمي.. ماذا سيفعلون؟ لماذا يُمسكون بي هكذا؟ “
كانت الغرفة ممتلئة عن آخرها بالأصوات المُتداخلة، بكاء وصراخ الطِفلات ، أصوات تعنيف، أصوات جر أجساد من على الأرض، صوت تكتكات الأسرّة.، صوت اصتكاك الادوات المعدنية ، كأنها أهوال يوم القيامة .. قيامتي .. آخر أيام حياتي على هذه الأرض.
لازلت أتذكر كيف تم ضربي وصفعي مرارًا على بكائي ومحاولاتي التملّص منهم ..
كيف ثبّتوني على السرير ذي الملاءة البيضاء بينما تمتد أيادٍ عديدة إلى الجزء السُفلي من جسدي، فاتحةً ما بين ساقيّ لدرجة أنني شعرت أن فخذي سينفصل عن حوضي من شدة الجذب، واظافرهم تنغرز في ساقي ولا أفهم ماذا يريدون بالضبط .. بعدها شقّ صوْت المشرط الهواء مُنغرسًا في جسدي، مُحدثًا قطعًا جائر، وألمًا كسرني لحبّات صغيرة ..
وكيفَ انفصلتُ وقتها عن العالم من شدّة الصدمة والصُراخ والألم الذي يفوق التصوّر، ورأيت روحًا شفافة تُشبهني قد صعدت لسقف الغرفة وظلّت مُعلّقةً هناك، ناظرةً لي بأسى العاجز عن فعل شيئ لإنقاذي.. لم يتبقّ لي صوتٌ للبكاء ..
ها هم قد أنهوا كل شيئ .. وسحبوني بقسوة من يدي لأنزل من السرير وتم رميي بالمعنى الحرفي للكلمة ، كـ خِرقة مُهترءة ، على إحدى الأسِرّة بالزاوية وسط دمائي ..
الصور تتلاحق أمام عينيّ .. لم يعد لديّ دموع … “هل مت؟ لماذا لا أسمع أي صوت؟” ألَمٌ قاتل يهز جسدي .. الملاءة البيضاء اختلطت بالأحمر .. “ما هذا اللون؟ أين أنا؟ “
أنظر للحائط الأبيض بجانبي .. أتخيّله سطحُ لُجيْنٍ لامع .. “يا إلهى يمكنني أن أدخله وأختبئ .. فقط لأتحمّل قليلاً ولاُسارع بالهرب ناحيته” .. لتصطدم رأسي به بقوة فأكتشف إنه حائط حقيقي صلب ، فلم أكن قادرة على تحديد المسافات ولا الرؤية بشكل صحيح ..
أنظر للغرفة الممتلئة عن آخرها بالظلال.. الرؤية تبدأ في الإتّضاح قليلاً ..
“أهذه أمي؟، أهذه تماثيل شمعيّة أم بشر؟” يصلني صوْت بكاء الفتيات الأخريات..” أين أختي؟ هل جاءت معنا؟ كيف لم أرَها إذن؟”
ظلّت عيوني مُثبّتةً على عائلتي التي وقفت تُشاهد كل هذا ولم تحمِني .. لأبتلع بمرارة صدمتي وألمي .. ووقتها عرف جوْفي ما هو طعم الخيانة.
تم سحبي مرةً أخرى لخارج الغرفة .. بينما ظلّت روحي الطفلة مُعلقةً هناك .. وكإنها كانت تبكيني يومها وتودّعني ..
ذاك الجسد الذي يسير الآن، ماهو إلاّ عبارة عن مكعبات متراصّة كيفما اتُفق وسُرعان ما سيتفكّك ويتلاشى.
وعند خروجنا للشارع ظلّوا يجرّوني جرًّا، كوْني لا أستطيع السيْر من شدة الألم .. نظرتُ حولي زائغة البصر حيثُ ذلك الجامع ذو القبة الخضراء .. وتطلّعت للسماء وأخبرتها ” لماذا؟ .. لماذا لم يحمينِ أحد؟ أين أنت يا الله؟!”
ولازلتُ أتذكر صوت سائق التاكسي وجيراننا الذين باركوني وعائلتي كوْني أصبحت الآن “طاهرة نقية” !.
أنهيْتُ حكايتي لأصدقائي بينما يسود الصمت .. بل إنه خلال حكاياتي لم أذرف ولو دمعة .. كنت أحكي الأمر بسلاسة وببساطة كأنني أحكي عن جسدٍ آخر وفتاةٍ أخرى .. كنتُ أنظر لأصدقائي بعيونٍ لا ترى وكأنهم ليْسوا أمامي، بل وكأنني لم أكن أحكي لهم من الأساس … كنتُ أحكي لتلك الطفلة التي تركناها هناك في تلك الغرفة ..
تلك الصغيرة التي كبِرت بالإكراه بين الألم والبكاء أيامًا عديدة ، بينما تُحاول لملمة شتات نفسها ، والتعامل مع جرحها كقطة صغيرة وحيدة مُصابةً في الشارع، لعلّها تفهم ماذا حدث بالضبط ولماذا؟ .
لعلّ عقلها يهديها إلى ما لم يحاول أحدهم ذكره حتى ولوْ كذبًا .. فهم لم يجدوا داعيًا للتبرير فهي مجرد طفلة بلهاء لن تشعر بشئ ولن تتذكّر !.
لم يهتم أحد بشرح متى سيُشفى الجرح؟ .. وكيف أعرف إنه شُفيَ من الأساس؟ .. ولماذا يؤلمني في كل مرة أدخل فيها إلى الحمام ؟.. كنتُ أخاف أن يتلوّث الجرح فكنت أضع المُطهر عليه في كل مرّة فتزيد الآلام ، كنت أدعو الله باكية أن يُزال ذلك السِلك – الذي يتحدثون عنه في المسلسلات لخياطة الجروح – من تلقاء نفسه وألاّ أضطر للذهاب لتلك المستشفى مرة أخرى لنزعه ..
كل شيئ تم بهدوء و بدمٍّ بارد بل حتى قبل أن تفهم تلك الفتاة الصغيرة “ماذا يعني جسد فتاة” وماذا يعني “كوْنها على أعتاب المُراهقة والأنوثة” و “ما ذاك الشيئ الذي انحصر تفكيرهم في سلبها إياه بالضبط؟” بل ماذا يعني ما يُقال ويُكتب هنا وهناك في كل مكان عن “حمايتها”؟
وذاك المكان الذي ظلوا يخبرونني ألاّ أقترب منه، لا ألمسه، لا أدع أحد يراه أو يقترب منه بأي شكل – رابطين أهمية وجودي في الحياة بحمايته- فجأة أصبح مشاعًا تُدنّسه كل الأيدي بكل أريحية، فلا مجال للحياء الذي يصدعوا رؤوسنا به، لا مجال للكرامة والإحترام وكل هذا الكلام المعسول الذي يُقال في التجمعات لكي يظهروا مدى خوفهم على المرأة من شيطان الجنس ولحماية الدين من نجاستها.
فكانت الحقيقة الوحيدة هنا والتي فهِمتُها مبكرًا جدًا .. أنني سأقضي عمري كلّه أحاول النسيان.
و حتى اللحظة في كل مرة أغتسل فيها ينتفض جسدي مستحضرًا ذاك الصوت المروّع للقطع ليُسيطر عليّ شعور القشعريرة، ندبات ذلك الجرح حاضرة رغم أنني لم ألمسه بيدي حتى اللحظة، بل لا أقترب من المنطقة بالكامل أصلاً.
لقد اتّبعتُ كل الحيَل النفسيّة المُمكنة طوال تلك السنوات حتى وصلت لدرجة الإحتراف … اقتنعتُ لسنوات طويلة أنّ هذا كان عقابي كوْني فتاةً سيئة نجِسة .. دائمًا بداخلي أنا مجرمة وسيّئة ويجب أن أنال عقابي .. هكذا تربّيْت، وهكذا كنت دائمًا أناله …
لهذا كان لا يجد الرجال أي مشكلة في التحرّش بي.
تعلّمت كيف اُعاقََب قبل الفِعل – الذي قد أفعله او لا أفعله ! – بل ظننتُ أن هذا عقابنا الذي يجب علينا أن نواجهه جميعًا كوْننا “فتيات”، فيجبُ أن ننال عقابنا من الله بيـَد عائلاتنا عوضًا عن النار في الآخرة !
إذًا ما معنى أن كل مَن تحدّثن معي صدفة في الأمر من محيط معارفي؛ لم يُعاقبن بذلك ، ولم يجربن تلك المشاعر رغم اختلاف مُعتقداتهم وثقافاتهم وبلادهم ومُدنهم؟
ظلّت المواقف تتكرر وتُوضّح لي أن هناك فتيات لم يتعرضنَ لتلك الجريمة، كان ذلك كالصفعة على وجهي .. أنه ببساطة توجد عائلات قررت عدم إيذاء بناتهم وعدم قتل روحهم.
لم يخطر ببالي لمرة واحدة أن انظر لهم بعيْن الحقد والحسد ولم أتمنَّ لهم ذرة من ذلك الألم .. ولكن في نفس الوقت يجتاحني شعورُ غريب لا أعرف كيف يمكنني أن أصفه .. كإنني لوْحٌ مكسور .. لم أعد انسانًا كاملاً كما خلقني الله … أنا لا اشبه أحدًا.
شعرتُ بالخيانة مرةً أخرى ، أن عائلتي كانت تكرهني بشدّة لدرجة تحويلي لـ”نصف انسانة” ولم تختَر ولم تُفكّر ولم تستخدم العقل الذي خلقه الله لها .. وقرروا بكل بساطة وبرود أن يجعلوني أعيش حياتي كلها أتمنى لو أفقد الذاكرة لكي انسى ما حدث .. أن انسى الألم .. أن أنسى خيانتهم لي .. أن انسى أنني لستُ كبقيّة الفتيات .. بل أنا حُطام فتاة.
لقد عرف عالمي من وقتها معنى الخيانة وعدم الأمان، لأن الشخص الذي يُفترض أن يحميني هو نفسه الذي آذاني.
فحينما لا تجد طفلة في عُمري شخصًا تحكي له مشاعرها أو تحتمي به من الأذى، فإن مشاعر الوحدة والتخلّي تزداد مُلوّثةً سلامها النفسي.
مَن يضطر للتخلّي عن جزء من جسده كالمرارة أو الكلى بسبب مرضه الشديد وللحفاظ على حياته فيما بعد .. يظل يشعر أنه فقد جزءً منه، جزءً خلقه الله معه .. فتتغيّر حياته بالكامل .. روتين الحياة والمشاعر.
فما بالكم بمن اقتُطع منه جزء غصبًا وكراهية، وهو لا يعرف لماذا كل هذا؟.
في عُمر الـ 18 عاما عرفتُ أخيرًا عن طريق البحث في الإنترنت ماهيّة ما حدث لي.. عرفتُ أنه قطع وتشويه في الأعضاء التناسلية، وكلما قرأت المزيد من المقالات، أدركت مدى بشاعة تلك الجريمة، وعرفتُ المشاكل والأضرار التي تواجه الفتاة عندما تتعرض لهكذا تشويه، بل إن هناك من يموتون جرّاءها.
وأن هذا الجنون يجب علينا نحنُ الفتيات أن نواجهه لأن هناك دائمًا مَن يرى أننا “أقل منه” أو يرغب في أن “يحمينا” من شيئ مجهول لا يتواجد إلا في عقولهم المريضة…
لن أتحدث عن تلك المشاكل الصحيّة التي يسبّبها “الختان” فالكل تقريبًا يحفظها عن ظهر قلب، بل يحفظونها بالأرقام التي ترميها الجرائد هكذا وسط المقال لكي يزداد ثِقلاً ويبيع أكثر .
لن أتحدث عن المشكلة العويصة التي ينحصر فيها الكلام “في مجتمعنا المحافظ ” ألاَ وهي “البرود في العلاقات الزوجية” – رغم أن من حق الفتاة ان تكون كاملة مُكمّلة مثلها مثل الرجل وأن تحصل على متعتها كاملة مثله –
لكن كيف لفتاة مرّت بتجربة مريرة كهذه أن تنسى إنها جُرت لسرير وتم انتهاكها واغتصاب كرامتها بعشرات الأيدي وبحضور عشرات الأعين؟ ، فتجلس بعدها في هدوء واستكانة عندما يقترب منها رجل غريب عنها بينها وبينه “ورقة زواج”، ليعاشرها في نفس المكان الذي أوذيَت فيه !.. كيف لعقلها أن يستوعب الكلام وضده؟ .. “أن حياتك كلها تكمن في هذا الجزء” وفي لحظة تكون متاحة للجميع ثم بعدها يجب عليها الاحتجاب “وحفظ نفسها” ثم بعدها عليها أن تترك نفسها لزوجها .. كيف يمكن لإنسان طبيعي أن يتحمل كل هذا الجنون؟
ولكن تلك النقطة لا تشكّل مشكلة حالية بالنسبة لي، فأنا لست متزوجة ولن أتزوّج والحمد لله ..
أنا أريد أن يحدثني أحدهم عن الكسر الذي بداخل قلبي .. عن مشاعري وكرامتي التي تم دهسها بكل قسوة .. عن ترك ندبات في جسدي وفي روحي .. عن الجرح الذي سأظل حياتي أحاول تجاوزه، عن فقداني لنفسي وهويّتي وإنسانيتي، عن فُقدان إحترامي لجسدي بل كُرهي له لـ كوْني خُلقت أنثى، عن تجريدي من أي شعور بالأنوثة والحُب غير المشروط وإيماني بالعائلة، أريد لأحدٍ أن يحدّثني عن شعور الوحدة القاتل كوْني كان يجب أن أُبقي ما حدث طيَّ الكتمان وأن أدعى إنه لم يحدث، عن شعوري بالعار وأنني كارثة حلّت على عائلتي وعلى المُجتمع أجمع، عن شعوري إنني مشوّهة غير كاملة، لستُ كبقية البشر … فليُحدّثني أحدكم بالله عليكم عن كل هذا وأكثر، عن ملايين الأسئلة والمشاعر والآلام.
لقد زاد رُعبي وقلقي على كل طفلة صغيرة أراها في أي مكان ، أجدني أنظر لها بـهلع أنه ” متى يا صغيرتي سيحفرون في جسدك ذكرى من نار ويتركوكِ مع كلمة “مبروك” ؟ ، مُحتفلين بقتل روحك واستعباد جسدك وإهدار كرامتك وإنسانيّتك بعدما انتهكوكي تحت مرئى ومَسمع من الجميع ووسط تبريكاتهم ؟! “
أُحاول شرح الأمر لبعض الأمهات اللاتي أقابلهنّ و أرجوهنّ ألا يفعلوا هذا ببناتهنّ .. الله ليس شريرًا وليس قاسيًا ولا يعتبرنا عارًا.. لا يعتبرنا فاسقات ولا يُعاملنا أننا شياطين بل نحن هديّة للأرض، رقيقاتٌ كالقوارير.
كيف لأم أن تكرر ما فُعل بها؟ .. أهيَ نوع من اللعنات يجب أن تُلاحق الجميع؟ .. أم هيَ رغبة لا واعية من الأمهات لرؤية كل الفتيات من حولهنّ ناقصات مثلهنّ ؟
ولكنهنّ جميعا يهوون اعادة التاريخ.. وتكرار نَفس الأخطاء.. لا توجد أي محاولات للفهم أو ايجاد الأفضل لابنائهم لمجرد أن هناك مَن اوْهمهم بأنه مِن اتّباع الدين القيام بجريمة شنعاء كهذه في حق الفتاة!
من السخرية أنها دائمًا ذات المُبرّرات الواهية التي يتم تناقلها في حماس مُنقطع النظير بين الناس رغم إختلاف البشر وتنوّع بلادهم وعقولهم وأديانهم ..
عن كوْن لا بأس لو تم الأمر في المستشفى وتحت التخدير وبيد طبيب .. أو مانحين إيّاها مفهومًا دينيًا ، فتارةً يقولون أن الرسول قال كذا، وتارةً يقولون بأنها مذكورة في الكُتب السماويّة، وتارةً أخرى يعطونها طابع الموروثات، وبأنها تقاليد و عادات فُعلت بنا من قبل ووجدنا الجميع يقومون بها..الخ
تمامًا كتلك الآيات القرآنيّة التي ترى النور مرّات ومرّات في حياتنا.
{أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لفِي شكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِليْهِ مُريب} – هود الآية 62
{ قالوا بلْ وجدْنا آباءنا كذَلِك يفْعَلُون}- الشعراء (74) …. صدق ربي الرحيم
وسيُحاولون دومًا اعطائها أي سبب في الدنيا لكي يستطيعوا النوْم مرتاحي الضمير، ضامنين أنه لن يُلاحقهم شعور الندم، فكل شيء على ما يرام من وجهة نظرهم، وقد أغلقوا جميع المنافذ وجهّزوا التبريرات اللازمة.
وها أنا بعد الصمت الطويل قررت التحدث عن الأمر مرارًا وتكرارًا لكي ينفتح الصندوق الذي أغلقته منذ زمن بعيد … لكي أحاول أستعادة نفسي وتعرّفها وأن أتعلم حُبها، وإيجاد حياة تُناسبني أنا وليْسَ غيري.
لا أعرف كيف يُمكنني حماية فتيات أخريات .. لا أعرف كيف يُمكنني أن أدخلكم لعالم لا يدخله أحد ، فأكثرهم يكتفي بترديد المحفوظ عن تلك الجريمة التي تحدث بلا رادع ، بل يعطونها اسماءً ومُصطلحات لتخفيف الأمر أو لتمريرها .
ولكنها فقط البداية، فهاهنا سأتحدث عن مشاعر وأفكار شخصٍ ذاق العذاب بنفسه.
أحكي لكيْ يأتي ذلك اليوم الذي لن نجد فيه تحقيرًا للأنثى ، أو اعتبارها “شيطانًا” يجب تحجيمه ومنعه عن البشر، وأن يعلموا أننا كائنات رقيقة ملائكية خلقها الله لتمنح الحياة ألوانًا مختلفة ومميّزة ، وأنه في الواقع يحبّنا كما نحن .. على الصورة اللى خلقنا بها.. وليْسَ على الصورة التي يُريدها الناس..
أحكي لكيْ أُثبت لنفسي قبل أي أحدٍ آخر أنني لا بدّ تعرّضت لكل هذه المصاعب لسبب ولأجل هدف، لأن الله بالتأكيد لم يخلقنِ فقط لكي أتعذّب .. مؤكد هناك هدفٌ أسمى .. ربما يكون ذاك الهدف أن أُخفّف عن فتاةٍ أخرى تُعاني مثلي، فأخبرها أنكِ لستِ وحدكِ .. لربما أكون سببًا في جعلها تحس بأنها ستكون بخير فأتمكّن حينها بدوْري من المُضي قُدمًا وأن أكون بخير.




تسلم إيدك ♥
من كل قلبي شكرًا لأنكِ من جديد تُعبّرين عن كلماتي الحبيسة وكل المشاعر التي دفنتها منذ زمن ، ستظلين مِن أشجع وأقوى مَن عرفت ومن أكثرهم إلهامًا وتأثيرًا في دواخلي ، مُقدّرة بشدّة الوجع الذي اضطررتي لخوْضه لكي تحكي
لأجلي ولأجل كل مَن يُعاني ..أتمنى أن يُخفّف الله عنكِ -وعنّا – وأن تكوني بخير
ويا رب يوصل صوتنا..وتتوقف المعاناة !
ربنا يجازيكي عنّي – وعن كل اللي بيعانوا – كل خير