الصحة مقابل الصيام

::Photo credit goes to its owner::

خلاص رمضان بكره، وفي السنوات الأخيرة بقى دخول الشهر ليه حبة تفكير كدا، مش هنكر إني بقيت أفضل من ناحية إني أعرف حقي وأتبع اللى يناسبني، ولكن علشان إحنا شعوب قائمة على التعنيف العاطفي، فبيظل جوانا بقايا من تأنيب ضمير مش في محله وأنا عارفة دا وغيري كمان ممكن يكون عارف دا .. ولكن تغيير طابع/عادة/تفكير أتربيت عليه وأتشربته في كل معطيات الحياة بيخلي الأمور مش دايما صافية جواك.

هحكي لكم عن تجربة عشتها وخلتني أخد بالي من حاجة، فاللى حابب يكمل معايا قراءة هكون ممتنة جدا، ومش لازم نتفق زي ما مجتمعنا علمنا إننا لازم نبقى إيد واحدة، أحنا لازم نختلف علشان ربنا خلقنا مختلفين في شكل ولون وصوت وحركة وطِباع، الفكرة بس إني هتحترمك على طول الخط، فأتمنى تكون كمان أنت كمان محترم تفكيري.

تقريبا في آخر 2014 كانت نفسيتي في الأرض، آخر أيامي في شركة “زبالة”، وفي ضغط عصبي ونفسي جايب أخره، ورمضان دخل .. وكعادة أي واحدة مسلمة في مجتمع مسلم “عظيم ومتدين ربنا يحرسه من العين” كان بديهي إني هصوم الشهر كله زي الشاطرة، بل أزود بقى الصلوات وأختم القرآن – مش قراءة بس لو سمحتم، أما تختم والا تبقى بتتدلع – وتراويح بقى، وقيام ليل …الخ

علشان رمضان دا شهر واحد بس ومش بيجي الا من السنة للسنة .. ومين ضامن عمره يعيش للشهر اللى بعده، ودي فرصة جهنمية للناس علشان الذنوب المتلتلة دي تخلص وتدخلي تتشوحي في النار بس بدل الحرق الأبدي.

الفكرة إني يوم في التاني كنت بصومه كنت بنهار ولكن مكملة وبـالزق أوي، كإنك بتزق سيارة البنزين بتاعها انتهى تماما، بل فيها أعطال كمان، فاللى هوه جايب 10 رجالة “بادي بيلدينج” بتزق فيها علشان تتحرك عجلة واحدة لأدام.

في نص الشهر كدا جيه ميعاد جلسة العلاج النفسي بتاعتي، روحت فالدكتورة شافتني اتفزعت، كان شكلي زي الميتين .. فبتسألني عن أخباري فبتكلم عادي ومش واخدة بالي من المشكلة اللى هي واضحة جدا على جسمي ووشي وأدائي.

فسألتني عن يومي وقالت أحكيلي بالتفصيل، فبرده وبحكي بكل سلاسة لإنه روتين بشكل عام يعني.. وهنا بدأت أخد بالي من سؤال سألته ليا وقد يبدو عبيط “هو إنتي ربنا قايلك تصومي إزاي؟” – مكنتش عربية أو مسلمة –

فشرحت لها أن مطلوب كذا، وأن لو حصل كذا ممكن تفطر وبتاع .. وهوب كإن فيه حد جيه لطشني على وشي أنه “إنتي واخدة بالك يا أمنية من اللى بتقوليه”؟

ربنا لما قالت تصومي كان حاطط شرط واضح ومهم وصريح لا إختلاف فيه، لو الصيام وقف في كفة، وصحتك في كفة يبقى كفة الصحة هي اللى تكسب ويتم الإفطار فورًا… لإن ربنا مش عايز الإنسان يتعذب ويموت علشان يصوم، لأن الصيام “منطقيا” أصلا عبادة لله فاللى هوه أعبدك إزاي وأنا بموت وتعبان وموجوع؟

فقولت لها طيب ما أنا كويسة وبتحرك وجيتلك وبروح الشغل والكورس يوميا بل بروح مشي لساعتين تحت الشمس بتاعة الإمارات الحلوة دي، يبقى بعد دا كله أنا صحيحة البدن ويبقى أصوم بقى …

فلقيت إني لسبب المجتمعات الحبيبة بتاعتنا مش بناخد بالنا أن ربنا قال “تبقى مش كويس أو تعبان أو موجوع عموما”، مجبش سيرة أن “جسمك بس” اللى يبقى كدا، الوجع النفسي كمان مرض وكمان بيسبب لك إعاقة عن قيامك بالحياة الطبيعية فما بالك بالصيام.

حد زيي مريض “كرب ما بعد الصدمة PTSD + اضطراب اكتئابي Major depressive disorder” بيخليني عندي شوية ميول إنتحارية، كمثال بسيط أني لما أمتنع عن الأكل والشرب لعدد معين من الساعات بلاقي نفسي غصب عني اتحبست في الحالة دي فبكمل صيام مش بفطر زي الصائمين العاديين.

يعني أنت مطلوب منك في الطبيعي تصوم من الفجر للمغرب، أنا بقى بوصل صيام الأيام ببعضها مش بفطر أصلا، ولو حصل وقطعت بين يومين صيام بيبقى بقليل من الميه ومش بقدر أكل أو أشرب .. فدا كان بيخليني زائر يومي للطوارئ وتتعلق ليا محاليل علشان يحاولوا ينقذوني من الجفاف الشديد والإعياء اللى أنا فيه… وساعات برفض أروح المستشفى أصلا وبفضل في البيت.

ولما بفطر مرة بعلق في نفس الدايرة ومش بعرف أصوم تاني لإني بصاب بحاجة زي مممم ممكن نشبهها بالهيستريا ومش قادرة أتحمل أمتناع الشرب لساعة واحدة.

يعني ببساطة “النفسية” هي سبب الإعياء الجسدي مش العكس.

الدكتورة جابت ورقة وقالت اختاري، صيام ولا صلوات؟

كنت مفزوعة أوي من كلامها، هي الست دي بتقول إيه؟ يعني إيه أختار بين فرضين عليا وهما سجلي الوحيد اللي بيثبت إني مسلمة ..

قالت لي اختاري يالا، تصومي الشهر كله زي ما إنتي عايزة، ولا تصلي تراويح وتقرأي قرآن والحاجات الكتيرة دي كلها اللى بتتعمل في رمضان؟ إنتي صحتك النفسية مش هتجيب الأتنين فإختاري واحد بس …

هي عارفة إن صحتي مكنتش تجيب أي خيار فيهم، ولكنها كانت بتحاول متسببش ليا إنهيار عصبي لما فجأة تجردني من حاجات عشت عليها عمر بحاله.

فإخترت وقتها الصيام مع تشديد بالإنتباه إني لازم أفطر ولو كملت صيام لليوم التاني هجبر على ترك خيار الصيام لآخر الشهر، وكدا أنا سبت الصلوات والقرآن وقيام الليل، وكنت بصلي فروضي اليومية بصعوبة بالغة.

عارفين يعني إيه تقول لحد الكلام دا في النص التاني من الشهر.. اللى هوه البشر كلها بتقعد تعذبك وتضغط عليك في كل لحظة وفي كل الوسائل المكتوبة والمسموعة والمرئية أنه دي العشرة الأواخر واللى ملحقش، يبقى كدا مبروك رمضان ضاع عليه وينسى بقى فرحة الإنسان المغفور له في شهر البركات.

كدا الصيام بقى شيء خطر وبيتفاعل بالسلب معايا … أنا أتصدمت جدا من الحقيقة دي، رغم إني عارفة آيات العفو والسماح عن المرضى أو اللى ليهم ظروف تمنعهم من الصيام إلا إني زي بقية معظم الناس، حافظة مش فاهمة، بتشدق بكلام أن ربنا رحيم وبيعمل وبيسوي وفي نفس الوقت أنا خايفة أفطر أحسن يعذبني وأدخل النار ..

ودا خلاني أقف عند حقيقة مهمة جدا، هو أنا بعبد ربنا إزاي؟ هل أنا أعرف ربنا إزاي؟ هو ربنا مين، هل هوه ربنا اللى بتكلم عنه ولا ربنا بتاع الناس اللى هيعذبني ومش فاهمني ولازم أقعد أقوله وأشرح له ومش هيصدقني ويقولي بتلعبي ومش قوية كفاية وعايزة تكفري بدينك ..

هو أنا مسلمة ليه؟ ولمين؟ وهل أنا مؤمنة بالمجتمع ودا الإله بتاعي ولا الإله بتاعي هو ربنا اللى خلقني فعلا ..

اسئلة ممكن تبان لأي حد حتى أنا نفسي إنها عبط إني بسألها دلوقتي وأنا الحمدلله كبيرة وشاطرة ومسلمة بقالي كتير مش جديدة في الكار يعني.. ولكنها اسئلة كان لازم تتسأل من زمان أوي علشان حاجات كتيرة أوي كانت هتتغير في علاقتي مع نفسي وربي الحقيقي من خلال الأجوبة دي.

من وقتها بدأت فعلا في الرمضانات التالية أعمل زي الفاصل كدا، أتوقف عن الصيام لكام يوم علشان أعمل فاصل راحة لجسمي أقدر أستعيد فيه طاقة جسدية، والنفسية تقوى معايا شوية، ورمضان اللي فات كنت بصوم يوم وافطر يوم

بحاول أتجاهل الكلام بتاع الناس عن رمضان وبخليني في حالي ومع ظروفي أنا .. مع ربي أنا ..وعارفة حاجة مهمة أن لو ربنا مش حاسس بيا، مش شايفني يبقى دا مش ربنا الحقيقي ولازم أدور على ربنا الحقيقي.

Leave a Comment