من تعود على السفر وعدم الإستقرار في مكان واحد لفترة طويلة، يظل “غريب” في كل مكان يزوره، لذا لا نرتبط بالأماكن لإنها تتغير، فنرتبط بالأشخاص، بالعلاقات التي نشأت بيننا وبينهم، تظل في قلوبنا للأبد، فهي تذكرة الآمان لنا في هذه الحياة.
في الثلاثاء 12 ديسمبر 2017، أخذت قرار مهم… هو التوقف عن تصوير فيلمي القصير “جرم”، والذي كنت أرغب المشاركة به في مهرجان سينما الموبيل لمناهضة العنف ضد المرأة.
لم يكن قرارًا سهلاً، لقد رغبت فعلا في المشاركة بهذا المهرجان كونه سيكون واجهة لي لعرض العنف برؤية أخرى، كنت أرغب في وضع نفسي بشكل فعلي وملموس في صناعة الأفلام القصيرة هنا بمصر، والأهم هو أن أنتزع أقرب فرصة في العمل بيدي لكي أتحرك من نقطة الورش والكورسات لنقطة العملي على أرض الواقع.
تجربة مرهقة لأبعد حد، فيلم ممتلئ عن آخره بالتفاصيل، كنت لا أنام تقريبًا، أول فيلم لي كمخرج وسيناريو، نعمل تحت ضغط رهيب لقصر المدة المطلوب فيها تنفيذ الفيلم، تحدث كوارث هنا وهناك وأحاول البحث عن حلول، وتغيير الكثير ليتناسب مع التطورات الجديدة، طاقات سلبية كانت تحاصرنا، إهمال واستهتار.. ولكنها كانت تجربة مليئة بالتعلم، والمشاعر .. كانت تجربة بكل معاني الكلمة.
تعرفت فيها عن مدى جمال من حولي، الآمان أنه يمكنني أن أسند ضهري بدون أن أسقط، وكيف يمكن أن تأتيك المساعدة والدعم بمكالمة تليفون، أو كلمة على التشات وأنت تغرق حرفيًا وتفكر ألف مرة متى عليك أن تتوقف…
تجربة وضعتني في إختبار حقيقي مع هدفي .. هل ما أقوم به، من أجل المهرجانات “فقط”؟ أم من أجل أن أصنع فيلم .. فيلم أرضى عنه وعن تفاصيله وأن يقدم رؤية جديدة لأشياء قتلت بحثًا.
وأخترت أن “أصنع فيلم” من أجل أن أحترم نفسي ومجهودي والناس حولي .. أن لا أنسى أنني أريد أن أحكي عن الناس، عن الأشخاص الوحيدين هناك، من لا يجدوا الدعم… لقد ذقت الوحدة والأذى وعدم التقدير فحلمي أن أزرع دفء في القلوب، أن يكملوا طريقهم وهم متأكدين أن هناك من “يعرف”/”يشعر”/ “ينظر” لهم بشكل مختلف، وليس كما أعتاد الناس كسلاً وجهلاً أن يحكموا عليهم وأن يسفهوا من حكاياتهم.
في رحلتي تعرفت على شخصيات جميلة، كانوا كـ فراشات منيرة تدعمني في طريقي، فأحببتهم للغاية وممتنة لوجودهم في هذه الحياة، وفي حياتي تحديدًا.. منهم من كان صديقي بالفعل فتعمقت صداقتي ومحبتي لهم، ومنهم من تعرفت عليهم لأول مرة وسأظل أشكر تلك التجربة التي جعلتنا نتقابل في الطريق.
صديقي الجميل “عبده سمير” الذي أفكر في الذهاب إليه عند كل جديد أكتبه، دائما وأبدًا يبذل طاقته لكي يكون موجود، وكان يفكر معي في حلول للصعوبات التي تتساقط علينا من هنا وهناك.
صديقي الجميل “عمر صلاح مرعي” الذي لا يبخل لحظة في إجابة إي سؤال، يذكرني بطريقنا كصناع أفلام والذي كنت أفقده لحظة الإظلام .. بذل كل جهده ودعمني بـ لطفه .. مازلت أذكر عندما أرسل لي على التشات يطمئن عليا في آخر يوم، يومها تساقطت دموعي تأثرًا من كم الدفء الذي شعرت به من إهتمامه رغم مشاغله.
الفراشة الرقيقة “نسمة” التي كانت تدعمني بوجودها وكلماتها وتفهمها للقصة، كانت خفيفة كـ “نسمة” فعلا، أحبها الجميع وكان حضورها مميز للغاية.
صديقي الجميل “كريم إبراهيم” بالحديث معه عن فكرة الفيلم، دعمني بكلماته لتكملة القصة، كما حاول مساعدتي لإيجاد بديل من أعتذر عن القدوم.
وأعضاء فريقي الهُمام، ما هي يا تُرى الكلمات التي يمكنني أن أشكرهم بها على تعبهم، ومجهودهم، وبذل الجهد بلا أدنى مقابل، والقدوم لمكاني البعيد، وعلى تغيير نظام حياتهم رغم مشاغلهم لكي ننجز الفيلم.
“مينا ناصف”، “مؤمن صلاح الدين”، “أحمد الموجي”.
اسمحوا لي أن أتحدث عن “الموجي” الجميل على حدى، كيف يمكنني أن أمتن أكثر لهذا الصديق اللطيف، فرغم أن صداقتنا لم يمر عليها وقت طويل، الا أن كل موقف، وكل وقت نقضيه سويًا يجعل صداقتنا أعمق، فلا اشغل بالي بالمدة الزمنية اللازمة لكي نطلق فيها على شخص أنه “صديق مقرب”، فلقد تعلمت أن السنوات لا تعني شيء بقدر قدرتنا في التعامل سويا .. وجوده يبعث الطمئنينة، وكم أحببت الأيام التي بات فيها معنا، كنا نبدو كأننا من نفس العائلة، وأفكر في جعله يعيش عندنا للأبد مع إنه سيطالبني بتعويض عن كم الغباء والأسى الذي سيُعايشه يوميًا مع بقية من في المنزل 😛
عندما كنت أعيد ترتيب الغرفة لتعود لطبيعتها قبل أن تتحول لـ “لوكيشن” تصوير، وقفت في منتصفها ونظرت لكل ركن فيها، تذكرت كل لحظة، كل موقف، في الاوقات التي كنا نُقهقه فيها ضحكًا، اللحظات التي كانت فيها دموعي تخونني فتنزل على خدي وأنا أحاول أن أنقل الشعور للممثلة … الأماكن التي كان يبيت فيها “مؤمن وأحمد”.. لعناصر الغرفة التي كنت أرتبها يوميًا للتأكد أنها كما هي بلا ذرة تغيير ..
مازلت أشم رائحة كل من زار الغرفة وترك بصمته الخاصة هناك … لكل لحظات التعب والإنهاك التي عشناها جميعًا.. للوجبات التي كنا نتشاركها.. لكل شيء نزلت دموعي إمتنانًا وتقديرًا لكل لحظة مرت هنا .. ومازلت أفتقد وجودهم.
فمن أجل كل هذا، لن أضحي بالفكرة، وسأبذل كل جهدي لتطوير أدواتي، للعمل من جديد عليها لتصويرها وإخراجها للعلن أن شاءالله…
أرحب بكل الدعم والمحبة والدعاء (^0^)




Leave a Comment