عن الانفصال

عندما سألَنا حامدمُحاضرنا في ورشة Cycle –  عمّن خاض Break up / انفصال ليحكي لنا عن المشاعر لا الأحداث أو التفاصيل.

سؤال قد نظن أنه سهل لأنه بالتأكيد سيكون معظم الحضور قد مر بهكذا تجربة ..  ولكن هذا السؤال جعلني أفكر كثيرا وقتها وحتى اللحظة..

أجبته وقتها أن تصوّري عن break up متعلّق بالعلاقات الرومانسية فقط، لذا أجد تجربتي لا تنتمي لهذا النوع ..

ولكني أردت مشاركة شعور ألم الانفصال والفراق نفسه، أخبرتهم عن انفصالي أنا وصديقي الذي كان يُمثّل ويعني لي كل شيء، وكيف قضيت سنتين في حالة تجمّد كاملة.. حتى أنني ذات مرة كنت جالسة أُشاهد فيلم عادي جدًا لأشعر فجأة أن هناك شيء رطب على خدّي لأكتشف أنها دموع..

شعرت بالفزع.. كأن أحدهم صفعني الآن على وجهي لأنتبه أنه قد مر عامين كاملين هكذا، كـأني كنت نائمة واستيقظت فجأة لأجد وزني قد إزداد بشكل خرافي، كنت لا أبكي، لا أضحك، لا أنفعل، لا أتكلم، بل لا أتذكر كيف كنت أقضي يومي طوال تلك السنتين.

وظننت بعدها أنه من المستحيل أن أواجه انفصال بهذه القوة مرة أخرى، فمن الصعب أن أُوجد عِشرة طويلة مع شخص آخر، أن يكون لي سند مثله… ولكن لسخرية القدر أواجه الآن إنفصال جديد مع نفس الصديق بعدما كنا قد عدنا لبعضنا وقتها، عندها استندت عليه مرة أخرى بكل ثقة، و ظننت أنه يمكننا أن نتعلّم من الأخطاء السابقة وتُصبح الأمور أفضل وأن تستمر العلاقة للأبد.

كالعادة سيُطلق الجميع الأحكام ” أنك غبية”، ” تلك الأمور معروفة النهاية” وأن.. وأن.

ولكن منذ متى كان المنطق هو السائد في العلاقات الإنسانيّة وفي المحبّة؟، وخاصة أنني لم أكن نفس الشخص الذي كان في الانفصال الأول، لقد تطوّرت شخصيتي، قد عرفت أن لي حقوق، أصبحت أطالب بها، عرفت أنني مميزة وعنصر مهم في أي علاقة.

ولكن هذا للأسف لم يحمينِ من انفصال صعب مرة أخرى …

حيث عرفت أن لو كان الشخص غير صريح معك أو مع نفسه ولديه صراعات وضغوطات كذلك، فيمكنه أن يغرقك معه، أن يُحملك كل الأسباب التي تؤدي لفشل العلاقة، وتتحوّل مميزاتك فجأة لعيوب لا يُمكن تحمّلها ولو للحظة …

إذا خيروك بين أن تكون على صواب أو أن تكون لطيفًا، اختار اللُطف؛ ذلك لأنّ كل شخص حولك يخوض معركته الخاصةفيلم wonder

للأسف كان انفصال كئيب مُهين، كسرني لقطع حتى خفت أن يسمع أحدٌ صوت تصادم شظايا الزجاج داخلي وأنا أتحرك.

تشاءُ الصدف أن أقابل صديقات مُقربات لي يُعانين من علاقات كئيبة، مُحزنة لا تليق بجمالهم..

لأجدهم وقد وضعوني فجأة في خانة “الفتاة القوية” التي استطاعت وضع نهاية لعلاقة كئيبة لا تقبلني كما أنا وتريد وضعي في إطارات..

وأنهنّ لا يستطعن أن يفعلوها، لأكون أنا صاحبة الانفصال لمرّتين.. وأنا التي كنت أظن في نفسي الضعف والإنهاك، والعجز عن أخذ أي خطوة نحو الانفصال الصريح بعدما تراكمت أسبابه وكان ينتظر شجاعة أحد الطرفين فكنتُ أنا مَن فعلها.

ولكنّي هذه المرة لم أتجمّد..  مُنهكة مُستنزفة، واشعر كأن هناك ثقب أسود وسط صدري بعدما رحل، أن روحي مكسورة، ولكني أشعر كذلك أنني مختلفة..  لا استطيع تحديد مدى الإختلاف، ولكني أشعر به بداخلي..

لن أكره نفسي من بحثي عن مشاعر المحبّة والقبول ، رغم إنني أكره الظروف والأشخاص الذين أوصلوني لتسوّل تلك المشاعر من الآخرين، وأن أضلل نفسي بمشاعر ومواقف وكلام لا يحدث فعليًا بينما أتعامل مع ما في رأسي أنا، فقبلت أمور مؤذية، قبلت تعاملات لا تليق بي، قبلت وصمتّ، وخفت من شيء مجهول فلم أكن أهرب أو أبحث عن طريق يُكرّمني.

رغم أنني تأخرت في الاستجابة، رغم أنني تأذيت بشدّة ولكني ممتنة لنفسي على كل محاولاتي أن أتعلم، أن أكون أفضل وأقوى ..

أن أتفهّم حقيقة أنني سأحزن، وسأنقهر وأن هناك من سيعاملونني بسوء رغم أنني لم أؤذيهم..

 أن أترك لنفسي فرصة للحزن، أن يعبّر جسدي وروحي عن هذا الحزن، لأنه حدث جلل بالفعل .. ألاّ استنكر على نفسي هذا الحق، وأن أتفهّم أن كل هذا سيأخذ وقته..

أن أتعلّم التحدّث والتعبير عمّا يحزنني، مُطلقةً سراح الوجع، فلا يوجد ما يُعيبنا في الألم !

أن أعرف إنني سأشتاق، وأفتقد، وسيؤلمني الحنين، ولكن يجب أن أعرف أنها مجرد مشاعر، لا تعني أنه يجب عليّ أن أعود، أو أن أتوقع التغيير وتحسّن الاوضاع في تكرار الأمر مرة جديدة.

“أحتاجكَ كي أعبر. لستُ ضريرًا؛ لكنني مستوحشٌ، وهذا الدرب مُعتم” تويتر hani nadeem‏

نحن نذهب لتلك النوعيّة من العلاقات لأننا مفتقدين للمحبة، نخاف الوحدة، جائعات للاهتمام، للأمان، للطمأنينة، أن يُخبرنا أحدهم أننا مميّزات وجميلات، أنه ليس من السهل بل من المستحيل استبدالنا بأي شيء آخر على وجه هذه الأرض.. كل المشاعر التي كانت يجب أن تُغذى فينا من صغرنا من أقرب الناس إليْنا ولكننا لم نحصل عليها فأصبحنا نبحث عنها بأنفسنا في الأماكن الخطأ.

في نهاية فيلمي “أمنية” صرّحت برغبتي أن أرى نفسي كاملة، جميلة، مميزة، لا أن انتظر  أن يراني الآخرين بهذا الشكل، فالآخرون يبدّلون رأيهم عندما ينتهي غرضهم من معرفتك، ولكن عندما يكون الأمر نابعًا منك أنت، ستعرف كيف تُدافع عن حقك، أن تصمد وتقف على قدميْك مرة أخرى عندما يرحل الآخرين.

في النهاية لن أنسى أبدا أن أمتنّ لـ “آية منير” و “حامد أحمد” وورشتهم Pink and Cycle على دعمي في تحسين أفكاري عن نفسي، وتكملة طريقي في تحسين صورتي في عيوني وإدراكي أنني أستحق الأفضل.

Leave a Comment