طريق الأذى

::Photo credit goes to its owner::

عادةً يخجل البعض من وصف تجاربهم، يشعرون  أنهم تعرّوا .. وقد لا يستطيعون مواجهة أنفسهم مرةً أخرى.

ولكن بشكل ما هذا لا ينطبق عليّ .. فرغم المصاعب والمشاكل التي تعرضت لها منذ صغري، وإهانة إنسانيتي وجسدي في تجارب كالضرب، والختان والتحرش وغيرهم .. وتعلّمي كيف أنفصل عن جسدي .. وأتعامل معه كأنه غير موجود من الأساس .. إلاّ إن نفس التجارب دي علّمتني إني مخجلش من إني أقول وأحكي وأشرح.

لا يوجد ما أخسره زي ما بيقولوا ..

لم يكن لدي مشكلة في الحكيْ، ولكن لم تتسنَّ لي مواقف لهكذا حكيْ .. كانت حياتي يعمّها الصمت .. حياة تجري بأحداث كثيرة ويجب أن أجاريها وألا سأفقد عقلي .. ولكن عندما وُضعت في موقف للحكيْ .. حكيت، أخرجت كل ما في جعبتي مرةً واحدة لدرجة أن المعالجة النفسية لم تكن مُصدقة لكل ما يحدث، وشكرتني أنني لم أنتحر أو أُجن حتى اللحظة 😀

الحكيْ لن يشفيك كالسحر في لحظتها .. في حالتي على الأقل لم يكن كذلك .. كنت أفزع عندما أسمع صوتي، وأكتئب لشهور وتنطفئ ملامحي عندما أنرت نقاط الألم بداخلي وحكيت عنها بصوت عالي … مع الإستمرار، يقلّ الوجع .. لا يختفي ولكنه لا يضربك كصاعقة ويُرديك قتيلاً… ستظل التجربة بداخلك، ولكنها ستكون ثابتة في مكانها لا تُنغّص عليك حياتك ولا تظهر في أحلامك وتُحطّمها لأنها ترغب في الخروج من الصناديق التي أغلقتها عليها، والحيطان التي بنيتها عليها لكي تخفيها تمامًا.

لذا سأحكي لكل إنسان سار في طريق الأذى لكي يقضي على الصرخات بداخله …

طريقي بدأ عندما كنت أشعر بالألم الشديد، ولا أستطيع التحدّث عنه، لا يوجد أحد يدعمني ويُساعدني .. وحيدة تمامًا .. والألم من شدّته حولني لقطعة جماد .. وقتها وحتى اللحظة أفقد حاسة التذوق .. وأشعر كأنني إبريق شاي على نار شديدة، وتغلي المياه بداخله وقد أغلقت كل منافذ التهوية عليه .. فيظل يغلي للأبد كإنه سينفجر…

وقتها عرفت طريق الحرق، وطريق الأدوات الحادة، كنت أقوم بتقطيع جسدي فاتحة جروحًا عميقة على أمل إطلاق الوجع من داخلي … كنت أنظر للدم وأثار التشريح بعيْن لا ترى .. كنت أريد للوَجع أن يتجسّد أمامي لكي أتأكد أن ما يحدث حقيقي .. وأنه “وَجع روحي” وليس مجرد ألم عابر.

وقد يكون بداخلي رغبة في تشويه الوجه الذي يراه الجميع “طفولي” وسببًا أن يظنوا أنني “طيبة ومُسالمة فيمكن دهسها بسهولة” …

لجأت للتدخين في سن صغيرة، وكوني من عائلة مُدخنة لم يكن الأمر صعب

كنت ألجأ للأكل بـ غِلّ وفي كل أوقات الإكتئاب، والإحباط، والشعور بالدونيّة … وكوني للأسف في محيطات مسيئة لي وما زلت.

ولكن فجأة رغم علاقتي المُحيّرة مع الله، تظهر كل الأمور لتُوضّح أنني تربية الله من صغري .. وأنه كان مسئول عنّي وحده ولم يُربينِ غيره … لذا فقد زرع في قلبي فجأة كراهية تقطيع جسدي .. وزهدت في السيجارة ولقد كنت لتوّي أشعلها .. فجأة تُقرّر نفسي إنني لن أفعل هذا مرة أخرى .. لا أريد.

وحتى اللحظة لم أمَسّ جسدي بمشرط .. مازلت أشرب بعض أنفاس من السجائر على فترات بعيدة عندما أفقد حاسة التذوق من كثرة الوجع، فأفقد شعوري بالحياة كلّها، فعندما يتغيّر طعم فمي لطعم كريه أتذكّر أنه وجع حقيقي وأنّه من حقي أن أعلن عن هذا الوجع ولا أُخفيه بداخلي ليأكلني حيّة ..

ولكنّي في تحسّن، فتمُرّ الشهور بل السنين ولا أقرب السجائر، بل في آخر مرة أشعلتها ظللت أراقبها تحترق بدون أن تلمس شفاهي .. كنتُ موجوعة ولكنّي سعيدة أنني كنت قويّة هذه المرة ولم أخطُ ناحية “طريق الأذى” الذي أحفظه عن ظهر قلب.

مازلت أفشل بشدّة في التحكم في أكلي .. ولكني أتحايل عليه بشكل أو بآخر ..

لم أهجر “طريق الأذى” تمامًا للأسف .. ولكنّي الآن واعية له أكثر .. أعرف طرقه .. ولا أجلد نفسي أنني أسير فيه .. بل أتحرك بخطة أخرى لكي أختصر الطريق عليّ.

مع السنين الجهد والعرَق والسعي، تعرفت على جزء كبير مني .. تعرّفت على صوتي ولم أعد أفزع عندما أسمعني أحكي عن وجعي .. أحاول ألا أفزع عندما أراني في المرآة .. بدأت أعي أن جسدي مهم وأريد له صورة معينة وأن أتعلّم التعرّف على جماله الحقيقي وليس ما “يقوله الناس عنه” فهم يغيرون رأيهم في كل لحظة، ومع كل موقف ليتناسب مع رغباتهم وما يريدون مني …

الأمر ليس بالسهولة التي نتوقعها أو نتخيّلها من بعيد .. ولكن الأمر يستحق منّي المحاولة وخاصة أنني مازلت موجودة على هذه الأرض.

لذا أحكوا في أماكن آمنة للحكي .. لا تخافوا من سماع أصواتكم .. أتركوا لأنفسكم الوقت للإكتئاب والإعتراف بالوجع .. فالصمت هو الألم الحقيقي.

Leave a Comment