موقف 1: عندما قررت مغادرة الكوافير، كنت عاملة تصفيفة شعر جديدة، كانت جميلة .. فقررت أنه لا داعي لوضع الإيشارب على شعري، هي مجرد دقيقتين وسأكون في بيتي .. المكانين في نفس الشارع… ولكني لم أستطع تحريكه سنتيمتر واحد بعيدًا عن شعري .. سارعت للبيت ودقات قلبي سريعة للغاية.. كنت أرتجف .. كنت خائفة.
موقف 2: في بلد غربية، بعد أحداث إرهابية والقلق من أي بشري تظهر عليه دلائل كونه مُسلم، اشتريت قُبعة صوفية جميلة بيضاء مع كوفية بذات اللون، عندما أرتديهم أتحول للأميرة الجميلة “بيضاء الثلج” .. ولكني لم أستطع إرتدائهم طوال الرحلة، بل أكملت بحجابي التقليدي، رغم أنه من الآمان عدم إرتدائه .. هناك أنا غريبة لا يعرفني أحد ولا يعرفوا جنسيتي ولا ديانتي من الأساس .. وكنت أرغب فعلا بإستغلال هذه الفرصة وأن أترك عني الحجاب لأستكشف نفسي وشعور وهل أنا أرغب فيه فعلا؟.
يمكنني أن أحكي عشرات المواقف التي واجهتها وصدمتني .. لقد كنت أرتديه للإعتيادية، فأنا أعتدت على هيئتي بهذا الشكل ولم أعرف لي شكلا بدونه ..
ولكن كان هناك سبب خفي، عرفته عندما واجهت نفسي … أنا مُحجبة فقط لأنني خائفة .. هناك سيطرة للخوف على حياتي .. فلقد تربيت أنا وغيري من الفتيات على الخوف .. الخوف من نبذ المجتمع، الخوف أن يؤذنا هم وعائلاتنا، الخوف من رؤية أنفسنا بدون حجاب، الخوف من معرفة أجسادنا، وتمييز ملامحنا وتفاصيلنا التي خُلقنا بها… الخوف هذا لم يعد فقط كإطار حولنا بل هو أصبح في دمائنا.
لقد كنت أختبئ خلف حجابي، خلف الملابس الفضفاضة .. أخاف من الناس ومن كل شيء .. فأظل هناك في الظل .. في الجزء الذي يخفيني عن الآخرين.
قصتي تقريبا مشابهة لمعظم الفتيات العربيات، عندما قامت الدنيا ولم تقعد من أجل أن يُغطين شعورهن بحجاب …
القصة مشهورة للغاية، مهما اختلفت الشخصيات، الأحداث والظروف .. ورغم ذلك مازال هناك دهشة عارمة من الجميع عن هذا الكم الهائل من الفتيات اللاتي يشتكين من الحجاب.
ما أذكره جيدًا، عندما كنت صغيرة للغاية، في أولى ابتدائي تقريبًا، أحببت ما ترتديه جدتي الجميلة، كان لديها إيشارب زهري اللون، وكانت بيضاء جميلة، لها وجه بيضاوي طيوب.. أحب فكرة أن لدي بعض ملامحها – فكنت أنا الوحيدة من أحفادها أُشبها شكلاً وصفةً – فكنت أحب اللعب بتلك الإيشاربات، فأهدتني الزهري لأرتديه، وفعلت … وكنت مسخرة تمشي على الأرض وهو يتدلى مُلامسًا الأرض 😀
وهذا تزامن مع إيداعي مدرسة بشعة متعصبة دينيًا، ولديهم خزعبلاتهم الخاصة .. فتوقفت عن لبسه بسبب تعاملهم الغبي مع طفلة يجبروها على إرتدائه طوال الوقت.
لأكتشف أن تقريبًا سنين عمري لا أذكر فيها إنني كنت بشعري، فدائما هناك مدرسة تُصر على أن يكون زيها الموحد يحتوي على غطاء رأس بسبب وبدون… في النادي في أي نشاط .. أو أي شيئ يظهر من العدم…. لتنتهي السلسلة بقرار جمهوري من والدّي أنه الآن عليّ إرتداءه للأبد ..
لا أحد يسمعنا .. رغم أنه شيئ لا يخصهم هم .. لا أحد يرتديه سوانا .. لا أحد سيحصد خيره أو شره سوانا .. ولكنها المجتمعات التي تهوى تمثيل دور “الرب” بدلا من الرب ذاته.
يتشدقون بالدين وهم لا يعرفون أقل مبدأ فيه، عندما قال في عليائه أنه لكم “دينكم” ولي “دين” .. لا أحد يُحاسب بالنيابة عن آخرين .. أن الله لا يحب أن يُعبد في الظاهر خوفًا من “عِباد” – معفنة ولا تسوى – وفي القلب تختبئ الكراهية لكل ما يُذكر فيه اسمه لأنه أقترن بالذل، والقهر، والإجبار.
وحتى إذا ارتديته، فهو أيضًا لا يعجبهم .. فهم خبراء في تحديد “شكل الحجاب” و “لونه” بما “يناسبهم” وشكل المجتمع الذي ينتمون له ..
فهناك من لا يرى سوى الخِمار، وهناك من يُفضل النقاب .. وهناك من يسلخ البنت حية لمجرد أنه لا يرى من وجهة نظره الفذة أن الحجاب يمكن ارتدائه على بنطال، أو على فستان سهرة، أو أي تصميم ملابس يُعجب الفتاة ..الخ
فيجب نعتها بالـ”فلاحة”، وأنه “إيه القرف دا” لمجرد أنها ترغب أن تستمتع بذوقها في أي شيئ “عجبها هي ” وتحبه فتنسق ملابسها بما هو مُتاح لها ..
دائما يتم وضعنا – كفتيات- بين شِقّي رحى، إما دفعنا نحو الحجاب بكل أشكاله غصبًا وكرهًا وتهميشًا .. أو حملنا على كرهه وكل قُرب بسيط منه حتى لو كان برغبة خالصة من صاحبته.
أنا أحاول أن أحارب خوفي من نفسي، أحارب شياطيني .. أريد أن يكون قراري نابعًا مني .. من روحي وقلبي وكياني وأفكاري ومعتقداتي .. إذا أبقيت على الحجاب فسيكون لأنها رغبتي أنا .. وإن إخترت عدم إرتدائه ستكونهذه الرغبة مني أنا بدون ضغوط، بدون خوف، بدون أشعر أنني هشة يمكن السيطرة عليها وتحريكها من مكانها بكلمة ذات اليمين أو الشمال.
فـ تحية من القلب لكل فتاة، استطاعت أن تُقرر أي شيء في هذه المجتمعات العربية المُتعفنة .. أي شيء .. حتى لو كانت رغبة في أكل شيكولاته في منتصف الليل.




Leave a Comment