عن دخول مصطلح “تحرش” لحياتي

اخبرتني بحنان إنها آسفة لطلبها هذا مني .. ولكن هذا من أجلي لكي أصبح بخير ..

” حاولي تذكّر ما تعرضتي له من تحرشات طول عمرك واكتبيها في جدول بالترتيب الزمني لها .. تذكري أي شيئ يمكن تذكره، وتحدثي عن مشاعرك وقتها”

لا تعرف إنه لا حاجة لي أن أعصر دماغي لكي أتذكر ..لقد ملأت لها ٦ صفحات بمجرد أن أمسكت القلم.

فلسبب غير مفهوم ذاكرتي تعمل بكل كفاءة مع تلك الاشياء .. وترمي ما يحلو لها دون ذلك.

كتبت وكتبت .. واخبرتها أن هذا يكفي لليوم .. إن ما حدث كثير ومتشابه ..

رغم اختلاف الأماكن والرجال وعمري .. ولكن تظل الفتاة هي الفتاة لا تتغير .. نفس شعور الخوف وعدم الفهم وتلك الدعوات بصوت خفيض يرجف لا يسمعه سواي ان “ارجوك خذني اليك ياالله ولا تتركني لهم او دعهم يموتون”.

ظللت ادعو تلك الدعوة مرات ومرات .. في كل مرة يتم جرّي إليهم .. رغم محاولاتي للكذب واختراع اسباب لكي لا اذهب لتلك الاماكن حيث ينتظرونني كالثعالب تظل حيلي الصغيرة لا تنفع معهم.

“فأنتي ” فتاة دلوعة لا تسمع الكلام” .. “اذهبي مع امك هل تريديها ان تجلس وحدها مع رجل غريب” …”احضري الملابس من ذلك المحل امام البيت” .. … “اخرجي مع تلك السيدة فهي لا تجد احد يُسليها” .. “شوووو لا اخبري أحد انني اتعرف على هؤلاء الرجال فهم فقط سيتكلموا معك لا اكثر”.

كنت اذهب مساقة لمصيري وملامح وجهي لا تكشف عن ما بداخلي .. فلا فائدة من الصراخ ولا فائدة من طلب المعونة من عائلتي…. فقط عليا ان اتحمل تلك الدقائق التي تمر كساعات وسنين.

طلبت مني الاسترخاء وان اغلق عيني وان اتذكر أول حادثة .. كنت صغيرة للغاية، قد أكون في عمر السادسة على الاكثر ..

اخبرتني إنه عليا استحضار اللحظة .. أن احاول تخيل اي رجل منهم أمامي .. أخبرتها إنهم موجودين دائما واذكر ملامحهم واستطيع ان اخرجهم لك بكل سهولة من بين الناس ..لقد اخبرتك إن ذاكرتي قوية مع تلك الاشياء..

فالامر لا يحتاج استرخاء او اغلاق للانوار لكي استحضره كاملا أمامي برائحته الخانقة

 

” هو الان امامك .. ماذا ستفعلي له؟” 

هنا تقف مذهولة من ردة فعلي .. عندما جلست وأخبرتها ” لا اريد شيئ”

 

هكذا بكل بساطة اخبرها إنهم حقا لم يعودوا يهموني .. فليذهبوا جميعا للجحيم أو لا .. أنا لا ارغب في مقابلتهم مرة أخرى .. فما حدث منهم قد حدث فعلا ..

دفعتني بقوة لكي اصدها واصرخ فيها باعتبارها هو فأنفعل، واخبره أي شيئ او حتى ارد عليها الضربة .. ولكني لم افعل .. ظللت واقفة أمامها لا احرك ساكنا ..

تصرخ فيا الا تريدين الدفاع عن نفسك .. ألن تصرخي فيا او تشتميني .. ألن تبعدي تلك اليد وذلك الجسد عنك .. ألن تفعلي أي شيئ..

ظللت كما أنا لا استجيب لأي انفعال، لا تتغير ملامح وجهي رغم مواجهتها لي ومحاصرتي في مكاني كما حدث معهم جميعا .. ولكني لم افعل شيئ.

كنت اشعر كإنها تكلم مخلوق اخر غيري .. انظر لها في ضياع أن صدقا لا اريد شيئا ..

 

لا اشعر نحوهم بأي شيئ .. شعور القرف فقط بداخلي كأي شعور قرف من اي قمامة .. فمنظر القمامة لا يستوحب مني ردة فعل.

 

اخيرا توقفت واجلستني .. ظلت تنظر لي وتسألني” لماذا تكتمي ألمك وغضبك داخلك لهذه الدرجة؟

ظلت تلك الكلمات في رأسي تدور وتدور ..

 

هل اصبحت عديمة الاحساس ولا يفرق معي ما حدث طوال تلك السنوات؟ ام انني اصبحت محبوسة مشاعر اخرى تظهر على السطح ومسيطرة عليّ؟

 

بعد تلك الجلسة أصبت بإكتئاب غير مفهوم او غير واضح الاركان كما توقعت معالجتي النفسية .. لا نقطة محددة ، أو حدث معين هو ما يشعرني بالاكتئاب .. بل هو شعور طاغي كإنني في خزان مياه كبير تم اغراقي فيه .. اشعر انني لست على مايرام.

وهذا غريب .. ما حدث هو مجرد مواجهة لشي حاضر وموجود فعلا .. فلماذا الاكتئاب الآن ؟

أصبحت اخشى ان تقوم بمواجهتي بهذا ثانيا وان تطالبني بإخراج مشاعري كما حدث في الجلسة اياها .. وخاصة انها اخبرتني انها ستقسو عليّ لاخراج تلك المشاعر مهما كلفها الامر …

يبدو إنها لاحظت خوفي من المواجهة مرة اخرى .. فتراجعت عن هذا لفترة ولكني اعرف أن الامر سيتكرر ثانية ..

سيتم فتح ملف التحرشات، وأخرى مع الاذاء الجسدي والتعذيب ومع الاهانات وغيرها .. انا متأكدة ..

ولكني مازلت افكر في سؤالها .. عندما اقابل هؤلاء الرجال مرة اخرى واجدهم امام عيني ماذا سأفعل؟ كيف يتكون ردة فعلي؟

في سنواتي الاخيرة نجحت مرتين في اخذ حقي من احدهم بالقوة، ولكني في مكان اخر كنت بطيئة في رد فعلي، ومرة كنت أشعر أن طاقتي ومشاعري مُكبلين .. ماذا لا تتحسن ردة فعلي، بل تختلف من موقف وآخر.

هل ياترى سأنتقم منهم بشكل ما أم سأظل خائفة ولن اقترب ..

اذكر انني قابلت أول حقير في حياتي بعد مرور سنوات طويلة في الشارع .. أم كانت تهيؤات بسبب الظلام .. ما اذكره انني وقفت في الشارع في حالة ذهول .. احاول تتبع ذلك الرجل من ظهره وافكر هل هو فعلا ..

هل اذهب اليه واخبره انني تلك الفتاة التي حاول الاعتداء عليها وهي صغيرة تلعب بلبس العيد .. أم اضربه .. أم فقط انظر لوجه بقرف .. بالتأكيد الزمن حفر على ملامحه تاركا اثاره ..

هل يعرف هذا الرجل انني حتى الآن اواجه مشكلة نفسية عند الخروج من البيت عامة .. في كل لحظة اتحضر فيها للخروج اشتم رائحته تملأني، عالقة في ملابسي وعلى جسدي، اشعر بقشعريرة كإنه في المكان .. فأتلمس وجهي والاشياء حولي لاتأكد انني لست في تلك الذكرى مرة أخرى، وأنني الآن في مكان آخر وقد مرت السنين .. بل إنني مازلت حية لم أمت كما كنت أتمنى وقتها …

أراه يهبط السُلم بسرعة خائفًا أن يُفتضح امره .. شعور بالخزي طاغي يغطيني، هناك شيئ خطأ، شعور بعدم الفهم عن ماذا حدث بالضبط، ولماذا؟ .. ماذا كان يريد؟ … لماذا أشعر بالخوف الشديد والرغبة في البكاء… لماذا أشعر بالإهانة .. لماذا شعرت كأن عوالمي سكنت حزنًا ولم يعد هناك صوت للضحكات الطفولية، وصوت شلال المياه، والألوان، ونسائم الحياوات الِبكر التي لم تُدنس بفعل الإنسان.

 

شعور قاتل بالتجاهل وكإنني ورقة ملقاه على الارض عندما تركوني عائلتي بدون ولا كلمة سوى “اذهبي واستحمي وغيري ملابسك وانسي الامر فلم يحدث شيئ “..

 

هل يعرف ذلك الرجل إنني كرهت ذلك الفستان، وكرهت درجة الازرق فيه، وأنا التي كنت سعيدة به في اول ايام العيد ..

هل يعرف انه كلما صعدت السلم عند منزل جدتي الحبيبة الله يرحمها اشعر به موجود عند كل سلمة واسمع صوته بوضوح .. أشم راحته ..اذكر ملمسه الكئيب.

عندما يستوقفني أحدهم لسؤالي عن أي شيئ بالعمارة ينشف ريقي وترتجف يدي وأنا اتذكر تلك المرة التي سقطت فيها في شباك ذلك الرجل لانني كنت ساذجة .. طفلة .. لا افهم ماذا يحدث.

بعد كل هذا وأكثر والذي لا استطيع الوصف، اقف عاجزة عن ايجاد رد فعل طبيعي يمكنني ان افعله لاخراج كل تلك القاذورات بعيدا ولاكون بخير … لماذا كل هذا العجز؟

لقد اصبحت شجاعة وتحدثت عن تجاربي من قبل.. ولم تعد حبيسة قلبي …و أحاول الآن أن أكون يقظة اكثر من هذا، وان انتبه لاي محاولة جديدة سواء معي أو مع غيري.

اذن لماذا لا استطيع ايجاد تفريغ لكل تلك المشاعر .. لماذا اصبت بالتبلد، بل وكتبت ذلك الجدول شارحه فيه عن تجاربي بجرة قلم .. لماذا أحكي عن تلك المصائب كإنها لشخص آخر غيري..  لا ابكي، لا انهار، ولا حتى تتغير ملامحي وانا اكتبها .. لقد كتبتها بكل سهولة ترعبني انا شخصيا.

هل اشعر فعلا إنني اتحدث عن شخص آخر غيري، وأن الجسد المقصود ليس جسدي؟

من صغري لا اشعر بكوني فتاة من الاساس ..لم اكن افهم لماذا اتعرض لتحرشات واعتداءات.

لقد كرهت –ومازلت- أي تغيرات يشهدها جسدي ويخبروني في سعادة، أن هذا لإنك فتاة .. كنت أبكي بشدة وأريد تمزيق جسدي .. لا أريد تلك الإنحناءات وتلك الملامح.

لقد تعلمت كيف اكره ملامح وجهي التي تخبر هؤلاء الرجال انه يبدو عليها ساذجة طيبة لا تفهم شي فلتذهبوا ولتحصلوا على ما تريدون بلا مشاكل.

بالرغم ما عانيته من الرجال الا انني لا اخاف التعامل مع الشباب بل اندمج بشكل أسهل معهم على عكس الفتيات .. مع أنه من هم مثلي وتعرضوا لمشاكل وتحرشات من من الطبيعي الا يستطيعوا التواجد في مكان به شاب واحد….

قد كون هذا بسبب شعوري إنني لست فتاة، بل أنا شاب ولكني لست مثل هؤلاء الكريهين… أنا كائن ليس له شكل، وليس له ملامح محددة وطريقة معروفة للتعامل.

السؤال هنا: هل سامحت هؤلاء الذين أذوني؟

اذا سامحتهم فعلا لماذا لا يتم اسقاطهم من ذاكرتي؟ لماذا اذكرهم بكل تفاصيلهم ؟ لماذا مازلت اعاني وانا اخرج من بيتي؟

طبيبتي قالت انني لن انسى ولن تختفي تلك الذكريات ولكني سأستطيع السير في حياتي بدون أن تؤثر عليّ…. الأمر يحتاج لسنوات من العلاج .. وهنا تكمن السخرية، موقف مُقرف واحد يُحيل حياتك لجحيم وتظل تُعالج سنين.

4 Comments

  1. Ramez Hafez Reply

    , شجاعه تحسدين عليها ولكن برافووالي الأمام

    • Omnia

      شكرا لمرورك الكريم
      (^0^)
      انا بحاول أتكلم بصوت عالي يمكن حد تعبان زيي بس مش قادر يتكلم فيحس إن فيه ناس زيه في الدنيا
      شعور الوحدة في المصايب بيقتل

  2. Anonymous Reply

    انت قوية وشجاعة انك تقدري تتكلمي وتخرجي كل اللي جواكي
    وفي يوم مش بعيد هتتخطي كل ده وتعيشي حياه افضل وتصنعي ذكريات سعيدة

    • Omnia

      مؤمنة أن إخراج ما بداخلنا من ألم على هيئة كلمات، رسومات، أي شيء آخر هو سبيلنا أن نطلق تلك الآهات للسماء بعدما ظلت حبيسة قلوبنا وتؤذينا …
      ممتنة للغاية لردك، ولقراءة التدوينة ومشاركتي هذه الذكرى
      (^0^)

Leave a Comment