عن حكايات الجدران …

أفتكر من سنين أنه اتطلب منّي نوع معيّن من الأشعات على المخ لم يكن موجود غير في مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية.

من المَدخل كان الجو مُقبِض جدًا، فكرت إن ممكن تكون دي ترسّبات اللي نقلتها الأفلام عن المستشفى دي تحديدًا…

ولكن كمّلت طريقي لجوّه الجو كان هادي جدًا، وكان فيه جنينة صغيرة حلوة، قاعدين فيها جروب مختلط في دايرة بيحكوا بهدوء مع المعالج..

وبلكونات الغرف المطلة على الجنينة دي مفيهاش حد قاعد، بس كانوا محاوطنها بالأسلاك والحديد زي كإنها قفص…

رغم الهدوء دا كله كان فيه حالة ومشاعر تانية… كإن فيه طاقات من الألم محبوسة وكان ممكن تحس بالارواح المعذّبة بتمرّ بين حركات جسمك.

أما في مستشفى أبوظبي في مكان بعيد عن الشوارع العمومية، مبنى صامت كقبر، بنتفتّش كذا مرة، وبناخد تصريحات وبنكتب بياناتنا عند البوابة في كل زيارة، حتى لو خرجت تتكلم في التليفون وراجع تاني بيتم التعامل معاك كإنك أول مرة تزور.

المرضى موجودين بشكل طبيعي وحُر كإنهم في فيلا مع بعض، اللي في غرفته، واللي قاعد في الصالة، واللي بيتفرج على التليفزيون، واللي بيدخن في الحديقة برّه – بعدد محدد من السجاير في اليوم وبساعات معينة-

الجو برده كان هادي، من برّه صعب تقول أن الناس دي في عنبر الحالات النفسية الحرِجة اللي ليها نوبات مأساوية بتلزمها فترة تعافي شهر تقريبًا..

كنت لمّا بدخل العنبر دا، بحس إني عايزة اقعد عند الباب وأعيّط.. أفضل أعيّط من كتر الاحمال والوجع اللي شيلاه حيطان وأرض وأركان المكان واللي شخصيات حسّاسة زيي بتلقط الإشارات بتاعته…

كنت بتنفّس بصعوبة من كُتر الوجع اللي اترمى في روحي… بمشي في الممرات متّتبعة آثار الناس اللي مرّت من هنا، كل واحد كان هنا في المكان دا رغم اختلافاتهم في الدين واللون والجنسية والظروف والحياة.

كنت بقاوم إني مقعدش أعيط لإني لازم أكون قوية وماخفش وأكمّل علشان ناس معتمدة عليا.. وانا محتاجة الكبار فبكتشف في كل مرة إني طول الوقت أنا “الكبار” دول.

دايمًا بتخيّل نفسي كإني زي الكاميرا كدا، بتدخل مكان واسع كبير، وفيه واحدة قاعدة بعيد كإنها مش في الدنيا معانا/ vegetative state/ كإنك نبات، لما بقرّب منها بكتشف إنها أنا…

والغريب إني عمري ما خُفت من التصور دا ومتوقعاه في أي وقت بل ممكن عايزاه يحصل بدري علشان أنا تعبت من الأحمال ومش متقبلة الحياة، رغم إني مصدّرة للناس فكرة إني بعرف أكمّل.

من كل قلبي بدعو للناس اللي شغلها بشكل يومي هناك وسط هذا الكم من الوجع، والناس اللي بتعاني بين أركانه على أمل العلاج.

#ذكريات

#حكايا_الجدران

Leave a Comment