الضياع بين شخصيتين : Bipolar

كوني الطفلة الكبرى، جعلني “حائط الصد” بالنسبة لأمي، ومَن عرفت الأمور مبكرًا جدًا، مَن عليه حمايتها، مَن عليه رعايتها وأختي، ومتابعة أمور الحياة والبيت رغم صغر سني وحاجتي أنا شخصيا للرعاية والسند.

لا أذكر بالضبط متى وعيت بشكل لا جدال فيه أنني الطفلة المكروهة من الجانبين .. أمي تكره أبي فيّ .. وهو يكرهها فيّ .

رغم معرفتي بهذه الحقيقة مبكرًا جدًا والتي لم ينجحوا في مداراتها تمامًا، فتفلت منهم – وقت الغضب- عبارات الإحباط من وجودي، ورغم كوني تعلمت أن أحسب نفسي يتيمة – رغم وجودهما – وأنني أنا المسئولة فقط عني.

ولكني كأي طفل كنت أتلمّس بعض مظاهر الحنان منهم، آملة في الإنتباه والحصول على المحبة، لذا كنت بشكل غير واعي انتظر تلك الحظات التي تعاملني فيها أمي بحنان بدون هدف…

عندما تأتي فجأة تحتضنني، تحدثني عن أي شيء وفي عيونها طيبة وعلى ملامحها ابتسامة، تسأل عن أخباري وصحتي، تتحدث معي كـ بشرية لست عدوة ولا أذكّرها بشيء تكرهه، أو شخص لا تجد غيره لتلجئ إليه .. بل مجرد ابنة.

ولكن عندما تأتي تلك اللحظة… كنت أتيقّن من أننا بالقرب من نوبة، ما هي إلا ساعات قليلة وأيام أقل لقدوم إحدى نوبات “اضطراب المزاج ثنائي القطب/باي بولر/Bipolar وأن تلك النوبة ستضرب المكان بقوة.

فأرجع لمكاني المعتاد …الفتاة المكروهة، التي أذكّرها بفشلها مع زواج سيء وحياة قاسية ومستقبل ضائع ..

في وسط النوبة أتحوّل لشخص قاسي يُجبرها على الدواء، يُحكم قبضته الضعيفة على جسدها لكي يستطيع الطبيب اعطاءها الحقنة، من يظل يلحّ عليها من أجل على الأدوية ومواعيدها، وإجبارها على زيارة الطبيب والمتابعة ..

ثم في نهاية النوبة أكون الشخص “الغريب” ولكنه “الأمين وسوبرمان” الذي يمكنها أن تثق فيه كونه يعتني بإنسانيتها وكرامتها ويحافظ على متعلقاتها الشخصية وأسرار نوباتها.

أختي كانت أفضل مني حظًا، كونها تحمل نفس لون بشرة أمي، كانت تشعر معها بالألفة سريعًا .. كونها تذكّرها بنفسها في سن أصغر “ميني إيمان” .. فكنّا للسخرية نستغل تلك المحبة لكي نستطيع كسب ثقتها وجعلها تتناول الدواء لكي نسيطر على النوبات.. أو أن تفتح لنا الباب – الذي يظل مقفولاً لساعات من الداخل – لكي نستطيع أن نُطعمها ونعتني بها.

دائما كنا نتساءل أنا وأختي.. ما هي يا تُرى طبيعة أمي الحقيقية.. كيف كانت قبل المرض؟

هل هيَ شخص تعلّم من مجتمعنا الشراسة وأن القوة بالصوت العالي وفرض السيطرة، سيجعل لها مكان في مجتمع ذكوري، كانت تحاول إثبات نفسها فيه كأخت كبرى وسط أخواتها الرجال؟… أم هي شخص لطيف خائف ولكنه لم يستطع أن يجد البيئة التي يستطيع فيها إظهار هذا الجانب منه…

حقًا لا أعرف.

#تدوينات_عن_ثنائي_القطب

2 Comments

  1. Aisha Reply

    كتباتك تلمس قلبي من اعماقها حقا💜

    • Omnia

      يا عائشة يا جميلة، بتنوري الدنيا بوجودك حقيقي <3

Leave a Comment