ولأسرة المريضِ المحبة

اليوم أريد أن أتحدث عن معاناة أسرة مريض الإضطراب العقلي والنفسي، وخاصة “إضطراب المزاج ثنائي القطب/ باي بولر/ bipolar” بإعتباره كان المرض الذي ركزنا جهودنا جميعًا عليه كونه الوحش الأكبر، مقرّرين إعتياد وجود بقية الأمراض النفسية أخرى، لأن ليس لدينا قوة لتفنيدها وإيجاد حلول لها.

بحثت في الإنترنت عن تجارب بالعربية تحكي عمّا كنت أعانيه، وأنه منطقي وحقيقي، وأن محاولاتي للبحث عن النجاة لم تكن ندالة وإهانة لمعاناة أمي فلم أجد.

فأنا وأختي عانينا، عانينا بشدة وللأسف لا أحد يُدخلنا في حساباته، لو كان المجتمع يلفظ المريض النفسي قيراط، فهو يتجاهل معاناتنا بالكامل، ويرى أن مجرد محاولة الحديث هي “كلام فارغ”، يثقلنا بتأنيب الضمير، وإن مهما فعلنا من أجل مريضنا فهو لن يكفي.

تعلمنا الصمت والإنغلاق على أنفسنا، كنا نحارب بصعوبة الخذلان والتعطّش للإحتضان والشعور بنا، والدعاء من أجلنا أيضًا.. كنا نقاوم تأنيب ضميرنا أننا غير كافيين … كنا نُحاول صنع خيط رفيع يربطنا بالنجاة على الطرف الآخر آملين الا نفقد عقلنا قبل الوصول لهناك.

عندما كانت تُصاب بالنوبات كانت أول كلمة تقال من أي شخص يقابلها، “أنتم السبب!.. أنتم لم تكونوا أكفّاء لحمايتها من نفسها” ..

أذكر جيدًا في إحدى النوبات الشديدة، لم نذق الطعام ولا النوم لأسبوع كامل خوفًا أن تؤذي نفسها أو تهرب من البيت، كان جسدنا ممتلئ بالكدمات بسبب تلقي ضرباتها خلال محاولاتنا اعطائها الدواء .. لتأتي عائلتها للزيارة لنصف ساعة، فقررنا انتهاز الفرصة لشراء طعام سريع من الشارع معتمدين أنهم يراقبونها.. كنا نأكل بسرعة شديدة لكي نُنهيه قبل مغادرتهم، غير قادرين على تمييز ما نأكله بالضبط، نحن نريد طاقة لا أكثر .. لنتفاجأ بجدّي ينهرنا أن “عندكم نفس تاكلوا وأمكم عيانة؟، مفيش دم”.

عائلتها وأبي كانوا يصابون بالرعب ويُشلّوا تمامًا وقت النوبات، فيتركوا لنا التصرّف من الألف للياء، كانوا يصرخون ويبكون ولا يفعلون أي شيء سوى إتهام الصغيرتين بكل مصائب الكون! .. اعتدنا هذا .. اعتدنا أنه ليس من حقنا أن ننهار، وأن نبكي أو نخاف من فقد أمنا، أو حتى أن نخاف أن نصاب به مثلها!.

كنا نحفظ علامات إقتراب النوبات عن ظهر قلب، تنقبض قلوبنا ونشعر بالبرودة عندما تنطق بأي كلمة استخدمتها أثناء النوبة.. توقفنا عن إخبارها عن أي شيء متعلق بنا حتى لو كان مجرد أغنية لطيفة نحب سماعها، أو فيلم/دراما نفضل مشاهدته، أسماء أصدقائنا، أماكن نذهب لها .. الخ لأنه خلال النوبة سترتدّ علينا كل تلك المفضلات لتتحول لكابوس نهرب منه…

في بعض الأوقات كانت تُمازحنا فتستخدم تصرف أو كلمة من نوبتها السابقة فتجد منّا تجمد كامل، كأن قلبنا توقف للحظات وعقلنا يدور بسرعة خرافية لمراجعة كل تصرفاتها خلال اليوم لنكتشف إنها كانت ” فقط تمزح”.

كانت عنيدة جدًا تُمارس الكثير من الألاعيب لتخفي الدواء مُصرّة أن تتناوله بنفسها، كانت تختفي من البيت فجأة عندما نكون في المدرسة، ونظل نبحث فترة طويلة لتظهر فجأة كما اختفت .. لجأتُ لكتابة اسمها وأرقام هاتفي وأختي على كارت وألصقته في حقيبتها، وعندما تُصر بعد معارك على الخروج وحدها للعمل أو للطبيب أضعه حول رقبتها.

كان ممنوع بفرمان عائلي ومجتمعي أن نعمل \ نسافر \ نخرج لمقابلة أصدقاءنا ونعيش حياتنا وسنّنا الطبيعي، أو حتى أن أزور الطبيب النفسي لطلب المساعدة لنفسي. كان عُمرنا بالكامل- منذ صغرنا – رهنًا لهم.

عندما توفّت.. فقدتُ ساعتها طفلتي وليْس أمي، وفهمت ماذا يعني أن تفقد ابنة .. أخبرتُ طبيبي النفسي أنني جربت مشاعر المتزوجة، الأم، المطلقة والأرملة .. ولم أجرب يومًا مشاعر العزباء التي تُثبتها فقط الكلمة على بطاقتي الشخصية.

فرحمة بأسرة المريض .. هم بشر أيضًا .. وفعّلوا رجاءً المعنى الحقيقي للعائلة، فهيَ من يتآزر أفرادها بالكامل في أي مصيبة تقع لأي منهم.. وبالتناوب الأحمال ستتوزّع وسننقذ بعضنا البعض ..

ولا تنسوا الكلمات اللطيفة والدعوات لهم.. فقد كنا نرغب فقط في الدعم حتى بكلمات .. فقط كلمات.

#شهر_أكتوبر

#صحة_نفسية

#توعية

#اليوم_العالمي_للصحة_النفسية

#تدوينات_عن_ثنائي_القطب

Leave a Comment