Bipolar الاسم

الكتابة عن مرض أمي ليْست بالأمر السهل، فكّرت مرارًا في كتابة كل ما يدور في عقلي ليس لإخراج وحش الألم من داخلي، بل على أمل أن أكون “وَنس” على الطريق الطويلة والموحشة.

تجربتي مع مرضها بـ إضطراب المزاج ثنائي القطب/ باي بولر/ bipolar لا أستطيع أن أقول إنني قد فهمته بشكل كامل، وخاصة أنه تشابك مع إضطرابات نفسية وعقلية عديدة .. كنا نخوض في اليوم الواحد التعامل مع عدة شخصيات في جسد واحد..

في البداية هو عبارة عن موجات من تغيّر المزاج يعيشها الإنسان المُصاب ، طرفيْه هما موجة “ارتفاع” عبارة عن حماس ونشاط لدرجة الهوَس، وطرفه الآخر موجة “انخفاض” في صورة الإكتئاب الشنيع .. والطرفين يضربان بقوة في نوبات .. لا تأتي معًا في نفس الوقت.

ولأن تلك السيدة كانت ملعونة بحياة صعبة، لم يكتفِ عقلها بالإصابة بهذا المرض، بل يوم اكتشافه أخيرًا أعلن عن وجوده في نوبة كاسحة مُدمجة مع إنهيار عصبي .. كان الأمر مرعبًا لدرجة العجز.

نحن لم نكن نعرف من قريب أو من بعيد عنه، لم أعد أعرف هل كان موجود سابقًا ونوباته مُتحكم بها – ربانيًا بدون تدخل حقيقي -، أم هي كانت مريضة بعدة اضطرابات نفسية تصاعدت بدون الرعاية الكافية لتصبح وحش كبير ضرب بقوة وعلى غفلة .. حقًا لا أعرف ..

ولكن مع القراءة أُرجّح الأمر الأخير .. هذا المرض كان وراثي كامن في الأعماق ينتظر اللحظة الحاسمة ليصعد على السطح .. ولأن السطح كان عكِر وغير مُعتنى به، فلقد جاء كاسحًا مخيفًا.

كان صادمًا لنا ولها جملة الطبيب التي قالها في اعتيادية “أنها ستستمر على هذا الدواء العمر كله” .. الدواء الذي يحكي عنه توصّلنا له بعد نوبات سريعة ضربتنا لشهور ونحن نُجرّب أدوية أخرى … لنكتشف أن ليس كل مرضى “اضطراب ثنائي القطب” عليهم المتابعة على دواء الليثيوم .. لذا كان “ديباكين كرونو”.

كانت مُلزمة بـ3 حبات يوميًا على الأقل لثبيت المزاج وليس للعلاج .. لأنه للأسف لا يوجد علاج يُنهي المرض نهائيًا، مجرد تحكم لا أكثر…

لو فكّرتْ في تقليل الجرعة بدون متابعة دقيقة جدًا من الطبيب فنحن سنُواجه النوبة بالتأكيد .. تلك المتابعة كانت تُلازمها أدوية كثيرة مثل دواء للإكتئاب في حالة كانت النوبة “طرف الكآبة”، وايقافه فورًا لو تغيّر المزاج لأعلى لتأخذ دواء آخر يسيطر على المزاج فلا تنفلت الأمور لنصل لنوبة “هياج وهوس”.

كان لهذه الأدوية آثار جانبية مؤلمة، كانت تشعر بالحزن على نفسها، وكنت أشعر بمشاعر بين الحزن عليها وبين الغضب عندما تُوقف الدواء في عناد، كأنني مع قنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة.

للأسف لم يكن هناك دعم نفسي لها في مصر، دعم للإنسان، دعم للأسرة التي تُواجه هذا الأمر مع المريض، لم يُشرح لنا أي شيء.

كنت أنا وأختي من نبحث في كل مكان عن المعلومات، ونصل للإجابات بالتجربة الشاقة، ورغم ذلك لم نتمكن من تقديم الدعم الكافي لها .. كان الأمر أكبر من مراهقتيْن وحيدتيْن تواجهان المجتمع الغبي بأفكاره الحمقاء عن الاضطرابات النفسية و العقلية، مجتمع يشعر بالعار من المرضى، ولا يقبل المتعافين بسهولة، يهاجمنا لو طلبنا تدخّل مستشفى لعلاجها وقت النوبات، فهذا يعني أننا بنات قليلات الأصل والرباية ونُلقى بأمنا للعذاب، وأن التكفير الوحيد عن هذا التفكير “الكافر” أن نتعامل مع النوبات وحدنا تمامًا… وإلا لماذا تم إنجابنا يا تُرى!!!!!!!!

في الإمارات كان الأمر مختلف بعض الشيء، فكانت هناك جلسات جماعية للدعم خاصة بالمريض، مازالوا لا ينظرون للعائلة ولكن إذا كانت هي بخير فنحن سنكون بخير حتى لو لبعض الوقت …

تلك الجلسات كانت تجمع بين الأنشطة الكتابية والألوان والحركة .. كنت أراها متحمسة لها رغم مرضها، لذا كنت أبذل كل جهدي لأذهب بها لهناك وأظل في صالة الانتظار ل6 ساعات كاملة ..

لقد حصلتْ على بعض الأصدقاء هناك .. أصدقاء يعرفون ما تعانيه لأن أخوة المعاناة يُنيرون لبعضهم البعض الطريق .. لقد أهدوا لها أكواب صغيرة ملوّنة وممتلئة بالورود والسماوات، حافظتُ لها على هذه الهدية أثناء التنقلات العديدة بين البيوت، لكي تظل تُصدق أن هناك أيام يمكنها فيها السيطرة على هذا الوحش بين الدواء وجلسات الاستماع والمعالجة ..

كانت في تلك الجلسات تستعيد شخصها المموّه بين المرض .. كنت أتمنى لو استمرت عليها ولكن كأي علاج نفسي هناك كمية نقود غير طبيعية يتم مطالبتنا بها .. كان طبيعي أن ينكسر ظهرنا ولا نقوى على تلك الجلسات فيكفي تكلفة الدواء وحده ..

يومًا ما أتمنى أن ينخفض سعر الدواء النفسي، وأن يكون هناك جلسات علاجية بمبالغ إنسانية تساعدنا على الحياة .. فمع أمراض كهذه نفقد القدرة على رؤية أن هناك حياة يمكن أن تُعاش، ونُجاهد في معارك بعيدة كل البعد عن الإنسان نفسه الذي يعاني وحقه في “حياة إنسانية” يتعرّف فيها على نفسه بعيدًا عن تصنيفات المرض الكئيب.

عندما يقول أحدهم باستخفاف حينما يكون لديه بعض التغيّرات المزاجية أنه “باي بولر” أشعر وقتها بالإهانة .. واستخفاف بهذا المرض ومَن يعايشه..فأتمنى أن تتوقفوا وتُسمّوا مشاعركم بكلمات بسيطة تُناسبها.

#شهر_أكتوبر

#صحة_نفسية

#توعية

#اليوم_العالمي_للصحة_النفسية

* هذه تجربة شخصية لها ظروفها التي ستختلف عن غيرها بالتأكيد.

Leave a Comment