بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسيّة : قصة قصيرة عن السِحر الذي لم يكن كذلك!

شهر أكتوبر هو شهر التوعية بالصحة النفسية،وحابة أحكي لكم حكاية صغيرة ولكنها أثرت في حيوات كتيرة. ونحن صغار كانت أمي – كأي سيدة مصرية أصيلة – تؤمن بالحسد والعين والسحر وكل تلك الأمور ..كانت حياتنا تسير وفقًا لذلك الإيمان الراسخ، كل شيء يتم تفسيره من وراء نظارة “الخوف من الحسد”، وصل الأمر أنني أعاني ليومنا هذا من مشاكل في النوم بسبب الاعتقاد أنني لو استغرقت في النوم – كبقية البشر – فهذا يعني تمكّن الجن مني ليؤذينا مُحققًا رغبات المشعوذ الذي قصده “أشخاص يعرفوننا” طالبين منه عمل سحر أسود.

للأسف ما أقوله ليس مبالغة ولا قصة خيالية، فمعظم الأسَر العربية تعيش على تلك المنظومة المجنونة، وهناك ملايين من النقود يدفعها العالم العربي للدجالين و”الشيوخ” لكي يحموا أنفسهم من العين الحسودة، أو لفك سحر ما يُعكر عليهم حياتهم، ولديهم في جعبتهم من التفسيرات لآيات من القرآن تؤكد لهم أنهم على حق، فالله ذكر الحسد والسحر في كتابنا المُقدس فكيف تنكروه!.

ولكن لحظة يا سادة، السيدة تخبرنا بأشياء مفزعة تراها في منزلنا وفي أحلامها، وتُقسم على سماع أصوات غريبة، وأشهد إنني رأيت بعض الأشياء المريبة أيضًا، إذن يجب أن يكون هناك تفسير.

بعد حياة قاسية يملأها الكذب والتخبئة خوفًا من الحسد، بعد ملايين الإحتياطات والاستحمام بكل ماء مقدس موجود على الأرض، وسماع القرآن في كل شبر من منزلنا، وإرتداء تعاويذ، وزيارة المساجد والكعبة، والتعامل مع مجموعة لا بأس بها من أصحاب الذقون الذين يحلفون برؤوس أجدادنا أن بيتنا ممتلئ عن آخره بالجن والشياطين بسبب سحر أسود شرير غرضه قتلنا جميعًا.

تصدمنا الحقيقة فجأة، أنها تعاني من اضطراب عقلي، ملتحمًا بأمراض نفسية أخرى، وهذا المرض لم يتم إكتشافه في صغرها، وعلى ما يبدو أنه مُتوارث، فلم يتم أعطائه أدنى إهتمام لأنه دائمًا كان هناك تبرير جاهز لأي أفعال غريبة.

تلاثة أرباع عمري ضاع في خزعبلات بسبب أنهم كانوا كسالي كفاية لألاّ يقفوا لحظة للتفكير في زيارة طبيب نفسي من باب التغيير أو التجربة على أقل تقدير .. ولولا الظروف القهرية التي كشفت هذه الأمراض كنا سنُكمل بقية حياتنا تحت مظلة “السحر والحسد”.

بين مشاعر الغضب لضياع حياتي وتأثير هذا الأسلوب على صحتي النفسية والجسدية، ولكني أشعر بالحزن والأسى على تلك السيدة التي كان مرضها يُصور لها أشكال مخيفة، ويجعلها تتخيّل وتتعامل مع وحوش ليست حقيقية ..

هي لم تكن تكذب .. ما تراه وتسمعه كان حقيقي بالنسبة لها وحدها ، تبعًا لما يُفسره لها عقلها وقتها … عقلها تلاعب بها .. وهي كانت وحدها في هذا العالم وكانت بحاجة للمساعدة التي للأسف لم تَنلها إلا متأخرًا جدًا. لو كان كُشف مرضها منذ الصغر كانوا سيحمون إنسانيتها من أحمال وتجارب قاسية لا يقوى عليها بشري، كانت ستنال الدعم والتفهم والتصديق ..

كانت ستعيش حياة أفضل لها ولمن يتعاملون معها. ولكن الجهل .. تفسير القرآن بسذاجة.. تصديق “أصحاب الذقون” أنهم الشيوخ والعالمين بكلمات الله ورسوله .. التوقعات الخاطئة عن الطب النفسي والمستشفيات التي نقلتها الدراما كذبا .. الإشاعات .. التقاليد وغيرها الكثير هم من قتلوا تلك السيدة ..

أتمنى لروحها السلام، وأن تجد مكانها في الجنة حيث لا خوف ولا ألم.

#شهر_أكتوبر #صحة_نفسية #توعية #حسد #سحر

Leave a Comment