وكانت البداية … سلام

إنها البداية الخجولة، حين تظل واقفًا في مكانك لا تنظر لشيء معين، تتحدث في أي شيء، وتسمع الباقين يتحدثون….

نظرتُ إليه من بعيد، شعرتُ كأنه أرضي وترابي، أرض زُرتها سابقًا، تعرفني وأعرفها، فتولّد بداخلي شعور بالطمأنينة ناحيته، لنبدأ حياةً جديدة أسير فيها مرة أخرى في تلك الأرض، فأحببته في السر، ولأني لا أحب أن أعطي للأمور أسماء أو توصيفات، تركتُ نفسي لخوْض تلك الحياة الموجود فيها.

عندما يُقابلني يمكنه أن يرى ضوْئي الذي يُحيطني من فرحتي بوجوده، أغمرُ عيونه بتألقي فلا يقدر على تجاهله فيقرر أن يلمس يدي في سلامٍ يبدو للآخرين أنه تحية معتادة، ولكنها كانت لحظة سَرت فيها الذبذبات بيننا، لتحكي علاقة مختلفة في كل شيء.

كان مع كل سلام بيننا، تزدهر أراضينا بالمحبة، والجمال، وطاقات النور ..

ومرّت السنين، لتصدمنا الحياة وُتقلّم أراضينا، وتزرعُ الوجع هنا وهناك .. ومن السخرية أننا تقريبا توقّفنا عن السلام بالأيدي .. ففقدنا الطريق لأراضي بعضنا البعض .. وانتهت علاقتنا بهزة رأس وابتسامة غير مُعبّرة عندما نتقابل .. هذا إن تقابلنا، حيث أصبحنا نتحاشى تلك اللقاءات، لم نعد نتحمل أن نرى الألم متجسدًا في هيْئتنا.

تركني مُتكسّرة لدرجة أنني خشيت أن يسمع الآخرين صوت (خشخشة) الزجاج المكسور بداخلي عندما أسير.

تحوّلت وقتها لكائن مُنطفء، لا ينفذ النور من خلالي، امرأة عجوز، لم تعد ترغب من الحياة أي شيء .. ولم تعد تعتدّ بالوعود، والمشاعر، والحب .. سوف تلمح دومًا ابتسامة ساخرة على وجهي عندما أشاهد بعض مظاهر الرومانسية في الحياة، وأخبرهم فقط أن انتظروا قليلاً عندما تنتهي حلاوة البدايات .. فليس كل النهاية كنهايات الروايات والأفلام.

وتمرُّ السنين، وأظن أن قلبي قد شُفي، وأنه يمكن لمشاعر الوُد أن تخرج على استحياء، كـ كيانٍ يعرج أثناء سيْره مُتمنيًا ألاّ يلحظه أحد ..

ليظهر شاب آخر مُقتحمًا أسواري الهشة التي كانت قيْد البناء، اقتحمها بمجرد سلام .. سلام ودود هادئ في إحدى المساءات المزدحمة بالناس، والسيارات وضوضاء القاهرة الطاحنة ..

ليظل مَلمس سلامه الودود كـ بلسم يمرُّ عرضًا على قلبٍ مُثقل، غير واثق، مكسور…

فنصنع لقاءات غير مُرتبة، حماس الدفء البعيد يجعلنا نركض ناحيته، نرغب في الوصول له سريعا غير مُبالين بحذرنا السابق، وخجلنا الذي يحيط كل شيء ..

وتتقابل أيدينا مرة أخرى في بداية اللقاء، لنجد أنفسنا بين عدة حوارات وأخرى، نرفع ايدينا للسلام من جديد، رغبة منّا أن نستعيد البدايات مرة أخرى .. فنُكمل الحديث، ثم بدون وعي منا ترتفع ايدينا متصافحين مرّات ومرّات في الجلسة الواحدة مع ابتسامة دافئة  صادرة من قلب طفل يشعرُ بإنتعاشة الدفء وجذوة حماسه تُقاد في حياته الباهتة.

ولكن هذا الطفل لا يبقى كثيرا في الأجواء، حيث يظهر دائمًا الشخص الناضج بداخلنا ليُحيل الحياة لعمليات حسابية، ومنطق، مُحدثًا إيّانا عن الخبرات، والوجع، وما يمكن أن تسمح به الحياة …

فتتحطم أركان مدينةٍ كانت تتسابق فيها عمليات البناء، فيتوقف العمل نهائيا هناك .. في انتظار اللحظة التي سيُعاودونه فيها.. عند أول سلام.

Leave a Comment