أسماء

فلسطين بكل ما فيها من طاقة وحماسة تُذكرني بـ”أسماء”
 
كانت أول فتاة في عالمي حيث كنت أجد صعوبة في التعامل مع الفتيات فلم أحصل على صديقات في حياتي المدرسية لسنوات طويلة .. كوني متمردة لا أقبل الكثير مما تقبله الفتيات في عالمنا العربي، فكنت أتصرف كما ارغب أنا وليس ما يريده الآخرون مني لكي يقبلوني كـ “فتاة” .. لذلك كنت غير مثيرة للإهتمام لبقية الفتيات حتى ظهرت “أسماء” .. كأن “الحياة” اختزلت فيها.
 
خطفت قلبي من أول لحظة تعاملت فيها معها … كانت كالشمس، لا تظهر إلا وهي مبتسمة إبتسامة واسعة مضيئة تجعل المحيطات تشرق مهما كانت حالتي النفسية وقتها.
 
رغم مرور سنوات وسنوات، مازلت اذكرها بصوتها وملامحها وعيونها وحركتها .. بل لم أنسها يومًا، لو عادت الآن لي ستجد مكانها موجود .. هي ستعرف هذا.
 
كانت الفتاة الوحيدة وقتها التي أحبتني كما أنا، عندما انظر لها أعرف إنها تحبني بنفس المقدار… لم ترهقني بتصوراتها العظيمة عني، ولم تطالبني أن أصل لتطلعاتها ولم تحجمني في صندوق صغير .. فقط أحبتني عندما لم يحبنِ أحد… ورأتني عندما قرر الجميع تناسي وجودي… . لقد كنت أفتقد الحب والتفاهم من قبل أن تدخل حياتي.
 
كانت تصغرني بعامين، تعرفت عليها كون أختها في نفس صفي الدراسي.. كنت انتظر بفارغ الصبر انتهاء الحصص لأقابلها في “الفسحة” أو عند انتهاء اليوم الدراسي قبل أن تغادر كل منّا على بيتها.
 
كانت مشاكسة جدا كشيطون صغير .. عيونها ممتلئة بالنشاط والقوة .. كانت مثل الـ”يويو” صغيرة وشقية “لذيذة” ويمكن أن تضعها في جيبك من شدة جمالها… فتقفز لتملأ الدنيا مرح وسعادة.
 
لم نشغل بالنا بالطقوس المُستهلكة في التعرف لذا لم نخبر بعضنا عن أسباب محبتنا لبعضنا البعض، أو لماذا نحن صديقتين متفاهمتين برغم الفترة البسيطة التي تعرفنا فيها، أو لماذا هي لا تصادق من في صفها ومن في عمرها، ولماذا أنا لا استطيع أن أكون صديقة لأختها.. لماذا نسأل عن شيء بديهي وطبيعي، هل نسأل الماء لماذا يمر من هذا الطريق لا من طريق آخر؟ هكذا كانت علاقتنا “سهلة وبسيطة وسلسة” .. وهكذا علمتني أن تكون علاقاتي خفيفة كنسمة صيف.
 
كونها كانت تسكن بالقرب مني جعلنا نتقابل كثيرًا رغم الحصار الذي تفرضه علينا العائلات فلا شيء بالحياة سوا المذاكرة والدراسة …
 
كنت أهتم بتوصيلها لبيتها حتى أطمئن عليها فأنا الأكبر عمرا هنا .. فكانت تجد السير لتصبح أمامي وتعطيني وجهها مكملة السير وتخبرني بشقاوتها الجميلة إنها مثلي “لا تخاف أحد”.
 
فكنا مجانين، أوصلها لبيتها لتعود معي مرة أخرى لتوصلني لبيتي، ونظل نذهب ونرجع مرات ومرات حتى يخرج أحد من بيت إحدانا ليصرخ فينا أن “أذهبوا فـ غدا يوم دراسة”.
 
للأسف الأنشطة الرياضة كانت تفصلنا عن بعضنا بسبب فارق العمر والطول …
 
في الزهرات – المرشدات ولكن الأقل عمرًا يسموا زهرات – المُشرفة الوغدة أصرت على وضعنا في فرقتين بعيدتين عن بعضهم البعض حتى لا نتواصل وكانت ترغب في ان أفشل في إدارة الفرقة لتثبت للحُكام إنني اقل من بقية الفرق التي تدار بفتيات محبوبات لديها.
 
ولكن “أسماء” كانت تقف بعيدا في ذيل صف فرقتها – كما وضعتها المشرفة – وتبتسم لي وتصنع “تشنيكة” بأنفها لتجعلني ابتسم فلا أهتم بتلك المشرفة الشنيعة وتعليقاتها السخيفة.
 
في تحضيرات العرض الإستعراضي الذي سيكون أمام لجنة الحُكام، كان على فرقتي أن تتقاطع مع فرقة “اسماء” فكنا ننتظر تلك اللحظة عندما يصل ذيل صفها في فرقة “الياسمين” لاول صفي “فرقة الفُل” لتتلامس أيدينا ونبتسم إبتسامة واسعة مشرقة ..ثم تعود كل فرقة لمكانها الطبيعي حيث كانت فرقة “الياسمين والفل” هما أقصى أطراف المجموعات.
 
عندما رحلت “اسماء” بكيت بشدة .. ولكنها كانت تبتسم مشجعة وتخبرني إنها ستذهب من أجل فلسطين … يجب عليهم أن يكونوا هناك، والديها صنعوا عائلة كبيرة – 11 طفل – من أجل أن يعيشوا و يتزوجوا وينجبوا هناك فتظل فلسطين للفلسطنيين.
 
لأول مرة عرفت معنى أن يكون لديك هدف لبلدك حتى لو كان هذا الهدف هو مجرد أن تعيش حياتك العادية هناك.
 
فلسطين هى الوحيدة التي لا أحقد إنها حصلت عليها “زهرة” في طرقاتها.
 
حتى هذه اللحظة كلما رأيت عبر التلفاز صغيرة في شوارع فلسطينية أتخيلها إنها “أسماء”، وإنها لم تكبر بابتسامتها المشرقة وعيونها الشقية .. كما تركتني ورحلت من اجل شيئ أكبر منا كبشر.
 
 
 
 
 
 

Leave a Comment