الجمال الذي يسكن الأسمرات

صديقي الجميل “حلمي” دعاني للمشاركة في مبادرة “نتشارك”.. وهي عبارة عن مشروع تخرجهم من دبلومة “التنمية الثقافية” – قسم الآداب جامعة القاهرة..

هذا المشروع يسعى لرفع الوعي وجعل الثقافة جسر بين الناس في المدن وبين ساكني العشوائيات الذين تم نقلهم لمجمع الأسمرات في المقطم.

فالأمر لا يجب أن ينتهي عند نقل البشر من العشوائيات لمباني وشقق، بل يجب أن نضمن أنهم لن ينقلوا العشوائية لقلوبهم وتفاصيل حياتهم التي كانوا مضطرين لها.. محاولين لتحسين حياتهم على كافة الأصعدة.

التجربة مميزة وجميلة بحق.. ببرنامج طوال ٦ أيام حتى نهاية شهر إبريل..

أعجبت بالفكرة جدا ووافقت على المشاركة بعرض فيلمي القصير والوثائقي “أمنية” إخراج العزيزة جدا “آمنة النويس”..

حيث كان التحدى كبير، أن أتحدث عن الختان في بيئته الخصبة.. استعديت بكل ما أوتيت من قوة متوقعة الهجوم والصد الذي سألقاه هناك والذي قد يصل لتعرضي وفريق المبادرة بالكامل للخطر.

ذهبت لهناك محملة بالتوتر والخوف والرغبة أن أنقل التجربة بشكل يمس قلب حتى لو كائن بشري واحد فقط.

من عند باب المكتبة التي تقام فيها الفعاليات وجدت أطفال بأعمار مختلفة رائعين بإبتسامتهم الصافية التي شفت قلبي في لحظتها من مخاوف.. كانوا يسلموا علينا جميعا بفرحة لم أتخيل للحظة أن أنال هذا الجمال رغم إنني جديدة عليهم ولم آتي سوى اليوم.

وتشاء الأقدار أنهم بحاجة لشخص يجالس الأطفال لبعض الوقت فكنت أنا موجودة.. وبدون قصد وجدت أنني كنت مع الأطفال لمدة ساعتين أدرسهم ما أعشق .. السينما.

حولنا الغرفة الصغيرة والضيقة لعوالم رحبة.. نتخيل ونمثل ونرتجل ونصنع قصص وأشرح لهم بعض التفاصيل الآخاذة في صناعة السينما بما يتناسب مع سنهم الصغير.. كنت أحاول نقل معاني لطيفة خلال المشاهد كعدم إطلاق الأحكام، عدم إهانة البشر وممارسة العنصرية عليهم وغيرها من الصفات “الإنسانية”.. الإنسانية فقط ما كنت أحاول طرح بذورها بينهم لا أكثر ولا أقل.

كانوا ممتلئين بالشغف، الموهبة، النشاط… كنت متفاجئة بنفسي أنني كنت أستطيع تمييز شخصيات الأطفال حولي من طريقة تعاملهم أمامي.. كنت أحاول دعمهم بكل طاقتي محاولة أن أجل تلك اللحظات آمنة وطيبة تناسب قلوبهم الجميلة الطاهرة.

بعدها اكتشفت أن عرض الفيلم سيكون ضربا من جنون، وما توقعته من خطر الضرب والإهانة كان حقيقي جدا.. حقيقي لدرجة إنني أردت أن أبكي قهرا على هذا الأسى الذي يعيشه هؤلاء البشر الذين اضطروا أن يتنازلوا عن إنسانيتهم.. فيكون “الجهل والنظر تحت قدمك وإيجاد قوت يومك الآن فقط” هو المهم وليذهب كل شيء للجحيم وسأقتلع عين من يحاول أن يقترب من حياتي.

أعرف أن التغيير سيحدث يوما ما، أعرف أننا سننتصر وسيعلمن السيدات كاملات الجسد والروح أن هناك من أضاف طَرقة على الصخر حتى انفجر وترك شلال بديع يعوضنا البكاء والألم.

لم أنهزم وعرضت الفيلم لمن كانوا في المكتبة.. ما هو مش جاية على الفاضي أنا 😁.. فرصة أن يعرف أحد بعض التفاصيل الصغيرة في حياة الأنثى الموجودة معه في نفس البيت هو أهم شيء لدي.

أنهيت اليوم بالكثير من القُبلات والسلام الطاهر من الأطفال الجميلة.. والتقطنا صور تذكّرني بالجمال الذي سكن الأسمرات.

Leave a Comment